نشرت صحيفة "واشنطن بوست"، مقالا للزميل في معهد الشؤون العالمية في جامعة تورونتو، مارك كريستين، يقول فيه إنه بعد ثماني سنوات من بدء الحرب الأهلية، فإن العدالة الدولية لم تفعل شيئا لسوريا، لكن الأخيرة فعلت الكثير للعدالة الدولية. 

ويشير كريستين في مقاله، الذي ترجمته "عربي21"، إلى أن "جهود المساءلة الاستراتيجية بدأت تؤتي أكلها، فالسويد وفرنسا، وتحديدا ألمانيا، في مقدمة التحقيق ومحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية، وتقوم هذه الدول باستعراض عضلاتها في استخدام صلاحيتها القضائية العالمية، حيث يمكن محاسبة مرتكبي الجرائم الدولية في تلك الدول، بغض النظر عن جنسيتهم أو أين تم ارتكاب جرائمهم".

ويفيد الكاتب بأنه "بالإضافة إلى العدد المتواضع من القضايا المرفوعة في أوروبا، فإنه كان هناك عدد من التطورات المهمة الأخرى في مجال المساءلة حول الجرائم التي ارتكبت في سوريا، ففي كانون الثاني/ يناير أمرت محكمة في واشنطن بتعويض قيمته 302.5 مليون دولار لأقارب الصحافية الشهيرة ماري كالفين، التي قتلت في هجوم للجيش السوري في حمص في 2012، وسيرا على خطى الاتحاد الأوروبي، فإن الكونغرس قام أيضا بتمرير قانون يعاقب أي شركة أو أشخاص يقومون "بتقديم خدمات البناء أو الهندسة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة للحكومة السورية".

ويؤكد كريستين أنه "يجب إدارة هذه التوقعات، وما تم إنجازه مهم، لكنه يعد نقطة في محيط إذا ما أخذنا في عين الاعتبار طبيعة الجرائم التي ارتكبت في سوريا، ولا يعني هذا أن محاكمة رئيس النظام السوري بشار الأسد (قادمة)، أو أنه ستتم محاكمته".   وأضاف "ليس سرا أن هناك نقصا في المساءلة في الجرائم الكبيرة التي ارتكبت خلال الحرب الأهلية السورية، لكن غياب هذه المساءلة دفع دعاة العدالة العالمية إلى تصميم آليات خلاقة عند عدم توفر الوسائل التقليدية مثل المحاكم الدولية، وما سيحصل لاحقا يعتمد على استغلال الدول المختلفة لفرص محاكمة مرتكبي الجرائم في سوريا".

ويلفت الكاتب إلى أن "العدل الجنائي الدولي لم يقدم الكثير للضحايا والناجين منذ بدايات الحرب الأهلية السورية، وفي البداية رفضت، حتى إدارة أوباما، قبول إحالة مجلس الأمن الوضع في سوريا إلى محكمة الجنايات الدولية؛ خشية تقويض العملية السلمية السورية". وبعد فشل المفاوضات وضعت أمريكا بثقلها خلف إحالة الوضع في سوريا إلى محكمة الجنايات الدولية في 2014، لكن روسيا، التي كانت قد أصبحت شريان حياة لنظام الأسد، امتنعت عن تأييد ذلك، وقامت كل من روسيا والصين باستخدام الفيتو ضد تحويل القضية إلى المحكمة، بالإضافة إلى أن جهودا لإيجاد محكمة طارئة لم تصل إلى أي مكان".  

وينوه كريستين إلى أنه "كانت هناك مبادرات مهمة تم إطلاقها، الأولى كانت لإنشاء اللجنة الدولية للعدالة والمساءلة (CIJA)، التي تستخدم محققين سوريين على الأرض لتجميع الأدلة حول الجرائم الدولية التي يرتكبها نظام الأسد وتنظيم الدولة.   وعكس هذا النموذج المنطق السائد في محاكمة قضايا الجرائم الجماعية، فبدلا من انتظار إنشاء محكمة قبل التحقيق في الجرائم، كانت مبادرة (CIJA) قد بدأت التحقيقات، ووفرت أي محكمة محتملة -سواء كانت محلية أو دولية- الأدلة التي جمعتها، والأدلة التي جمعتها (CIJA) وغيرها مثل المركز الأوروبي للحقوق الدستورية والإنسانية (ECCHR) أفضل مما كان متوفرا لمحاكمات نيوريمبيرغ لكبار النازيين".

ويقول الكاتب: "أما المبادرة الأخرى التي تمت إقامتها فهي الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM)، التي تعمل لجمع الأدلة على أمل أنه سيتم استخدامها في النهاية في المحكمة المناسبة، وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة هي من أنشأت (IIIM) تجاوزا لجمود مجلس الأمن، وجعلت منها آلية فريدة للمحاسبة".

ويضيف كريستين أنه "مثال على ما قدمه الوضع في سوريا للعدالة الجنائية الدولية أن يتم استنساخ فكرتي (CIJA) و(IIIM) أداتين جديدتين لتحقيق العدالة العالمية، فتم إنشاء (IIIM) لميانمار مثلا، وتقوم المحاكم في أوروبا باستخدام الأدلة التي جمعتها كل من (CIJA) و(ECCHR)".

ويبين الكاتب أن "من المفارقات أن احتمال محاكمة سوري ارتكب جرائم في سوريا ثم سافر إلى أوروبا أكبر من احتمال محاكمة غربي سافر إلى سوريا وارتكب جرائم هناك قبل العودة إلى بلده، فليس هناك أي من الدول الغربية حريصة على محاكمة مواطنيها الذين ذهبوا لقتال تنظيم الدولة، وارتكبوا جرائم في الخارج، وهناك سببان على الأقل لذلك".   ويشير كريستين إلى أن "السبب الأول هو أن الخطاب السياسي في كثير من تلك الدول يعكس المخاوف السائدة من أن مقاتلي تنظيم الدولة العائدين، وكذلك اللاجئين بشكل عام، سيقوضون الأمن العام، فلا ينظر لعودة المقاتلين على أنها فرصة لتحقيق العدالة لجرائم ارتكبها تنظيم الدولة بقدر ما هي تهديد للأمن القومي وعبء على الدولة، ولذلك تنظر الحكومات عادة إلى السماح بعودة المقاتلين على أنه مجازفة سياسية". 

ويلفت الكاتب إلى أن "السبب الثاني هو وجود عراقيل قانونية كبيرة أمام محاكمة المقاتلين العائدين، الذين ارتكبوا جرائم في الخارج، فهذه الحالات يصعب أن يتم التحقيق فيها من لندن وواشنطن وأوتاوا، وبالإضافة إلى ذلك فإن الأدلة قامت بجمعها دول.   وهو ما قد لا تقبل به المحكمة، أو قد تقوم الأدلة على معلومات استخباراتية من بلد صديق، وهو ما لا تملك تلك الدولة تقديمة للمحكمة، ولذلك فإن كثيرا ممن عادوا تتم (مراقبتهم) من الأجهزة الأمنية بدلا من المحاكمة، ما يزيد من الخوف من أن المقاتلين العائدين يشكلون تهديدا لبلدانهم التي عادوا إليها".

ويرى كريستين أن "وجود مئات المقاتلين السابقين لدى تنظيم الدولة في سجون في كردستان سوريا وغيرها من المناطق يشكل فرصة فريدة لتلك الدول لتجمع إمكانياتها وتنشئ محكمة دولية أو محكمة هجينة ومحاكمة مرتكبي الجرائم بشكل شامل، وقد يتطلب ذلك استراتيجية ادعاء تركز على استخدام اتفاقيات اعتراف لتوليد أدلة قوية ضد كبار مرتكبي الجرائم".

ويختم الكاتب مقاله بالقول إن "إقامة محكمة في المنطقة سيوفر نظام محاسبة بالقرب من المكان الذي يعيش فيه الضحايا والناجون وحيث يمكن جمع الأدلة، وفي الوقت ذاته يمكن للمحققين جمع الأدلة على جرائم ارتكبها فاعلون آخرون في سوريا والعراق، بما في ذلك القوات الحكومية والمعارضة، والأهم هو أن مثل هذه المحكمة ستكون مؤشرا على اهتمام المجتمع الدولي في العمل معا لتحقيق العدالة في مكان لم يتم تحقيق الكثير فيه".