الأحزاب الإسلامية تحاول الإيحاء بأنها في مأمن من الخطر، وبعضها يستند إلى موروث الهيمنة على مرافق السلطات العسكرية والأمنية وكأنها علامة قوة، في حين أن تراكم الظلم والاستبداد هو من علامات الانهيار الحقيقية.
 

عنوان هذه المقالة لا يدخل في باب التمنيات أو التشفي للحال الذي وصلت إليه أحزاب الإسلام الشيعي التي حكمت العراق أربعة عشر عاما باسم الطائفة الشيعية، جورا وظلما، وهي بريئة من هذه الأحزاب.

سياسات هذه الأحزاب ظلت ليست فقط بعيدة عن آمال الناس وإنما دمرت مقومات بناء المجتمع وتنميته الاقتصادية والاجتماعية عبر الفساد والاستبداد، وكان طبيعيا أن تصطدم المصالح بين أطرافها وتصل درجات التسقيط إلى مستويات التخوين وجميعها في مركب تتلاطمه أمواج الأزمات، ولولا إسناد أصحاب المصالح من السنة والأكراد ودخول النظام الإيراني بكامل ثقله هذه الأيام لسقط هذا الحكم من داخل قاعدته الطائفية.

ورغم هذا الواقع تحاول هذه الأحزاب الإيحاء بأنها في مأمن من الخطر، وبعضها يستند إلى موروث الهيمنة على مرافق السلطات العسكرية والأمنية، وكأنها علامة قوة في حين أن تراكم الظلم والاستبداد هو من علامات الانهيار الحقيقية. كانت قمة هذا الشعور بالغطرسة والتعالي قد حدثت بين عامي 2010 و2014، حيث مُنعت أيّ فرصة لقيام تكتل سياسي معارض عن طريق حزمة اتهامات الإرهاب ثم تنظيم داعش بوجه المعارضين.

ولو أراد حزب الدعوة الشيعي والمتحالفون معه تحقيق أي إنجاز للناس لتمتع بمشروعية القيادة الحقيقية للبلد، لكن غالبية كوادره غرقوا في مستنقع الفساد وابتعدوا عن شعاراتهم التي رفعوها خلال فترة المعارضة قبل عام 2003 رغم وقوعهم في الخطأ التاريخي وهو تحالفهم مع نظام ولاية الفقيه في طهران خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية بين 1980 و1988. وكان طبيعيا أن تصبح السلطة الفاسدة هي النار التي دبت داخل هذا الحزب وبينه وبين حلفائه من الكتل الدينية، مما جعل فترة حكم 2014 – 2018 علامة صارخة على نهاية هذا الحزب وتفككه، ولتدخل جميع أطراف الحركة السياسية الشيعية في أزمة صراعات المصالح والمكاسب والفساد.

وكان العامل الأول في هذا التفكك المتدحرج هو نقمة الشعب العراقي من الجوع والفقر ونقص الخدمات إلى درجة أن أهل البصرة يشربون الماء المالح وينتظرون رحمة نظام طهران لتزويدهم بالكهرباء بأموال العراق.

قبيل انتخابات 2018 شعرت أطراف الكتل الشيعية جميعها بالمخاطر تهدد وجودها ونظامها السياسي وظلت حائرة مرعوبة من النهاية، والأهم أن هذه الأحزاب كانت واثقة من الفراغ السياسي الذي اشتغلت عليه لعشر سنوات بشل أيّ فعالية من خارج البيوت الطائفية، وكان المنقذ المنتظر، قاسم سليماني، الذي وضع لها دعائم الحصانة من المخاطر عبر مقدمات دعائية توحي مظهريا بنهاية الطائفية السياسية والتبرؤ منها إلى شعارات مثل الأغلبية السياسية والأغلبية الوطنية، لكن ذلك لم يكن كافيا لاستبعاد المخاطر فاضطر إلى فتح أبواب عمليات براغماتية معقدة لجلب رموز سنية جديدة بعد تناسي خصومات الأمس وإزاحة أوصاف “الداعشيين والإرهابيين” التي كانت تغطي وسائل إعلام تلك الأحزاب، وإدخالهم في القاطرة الجديدة على ذات السكة، دون التفريط في الحرس الشيعي القديم بعد تقديم ملفت للزعامات الجديدة الموالية عقائديا لولي الفقيه الإيراني والتي برزت على إثر الحرب على داعش، وكانت الانتخابات هي المسرح المناسب لتلك التغييرات الشكلية.

كانت العقبة هي مقتدى الصدر وخطه العروبي داخل المنظومات السياسية الشيعية الحاكمة وخصومته مع نوري المالكي الذي حمله جميع مسؤوليات الفشل والفساد لثماني سنوات وتفريطه في أرض العراق أمام داعش، ورغم امتعاض النظام الإيراني من تنامي الخط الصدري إلا أن التدابير الجديدة اقتضت تليين مواقف زعيمه بقيام كتلتين شيعيتين، بعد تعذّر قيام “الكتلة الأكبر”، هما فتح وسائرون بين هادي العامري ومقتدى الصدر وترتيب مجيء رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي كنتيجة مرحلية لهذا التوافق بين أكبر كتلتين شيعيتين، رغم أن وضعه ووضع حكومته يظل في مهب الريح إن لم تدعمه كتلة كبيرة في البرلمان.

تبعه الاجتماع الذي عقده قاسم سليماني مع الصدر في بيروت مؤخرا، وكانت تحذيرات الجنرال الإيراني له خلال ذلك الاجتماع هي إن لم تتوحد القوى الشيعية فستسقط العملية السياسية ويصبح الجميع مطاردين خصوصا مع تنامي المخاطر الأميركية التي تطوّق النظام الإيراني في العراق.

ولهذا وضع قاسم سليماني مقتدى الصدر أمام مسؤولية حماية النظام القائم عن طريق تناسي الخلافات الشكلية بين الأطراف الشيعية بعد استنفاد جميع الأغطية في خلق الخصوم المحليين، ما عدا افتعال الخصومة العسكرية الأميركية المرتبطة بتطورات المنطقة خصوصا سوريا والعراق.

ولكن تحالف “سائرون الفتح” لا يشكل بديلا عدديا عن الكتلة الكبرى الغائبة، فكان مطلوبا إعادة حالة المهادنة بين الأطراف الأخرى خصوصا كتلة نوري المالكي الذي ما زال يعتقد أن حزب الدعوة رغم كل الكوارث التي ألحقها بالبلد هو المؤهل أكثر من غيره من الكتل الشيعية الأخرى بالقيادة. صحيح أنه انصاع لتوجيهات سليماني بالتنحي لصالح حماية النظام، لكنه ليس زعيما سهلا أمام رفاقه قادة الشيعة، وهناك سعي لبناء كتلة كبيرة داعمة لحكومة عادل عبدالمهدي وهي ليست مهمة سهلة في ظل عدم حماسة الوجوه السنيّة التي تستعيد مشاعر التهميش التي واكبت الحركة السياسية السنية.

ولهذا فإن المخاطر الحقيقية تتزايد، ولا تبددها العناوين الإعلامية التي ينشط من خلالها هذه الأيام بعض مستشاري كتلة “فتح”، بشكل خاص، في محاولة لإيهام الرأي العام العراقي والشيعي بشكل خاص بحدوث تحوّل سياسي ونهاية الطائفية ومحاصصتها بالانتقال مما يسمى الانشطار العرضي، سني كردي شيعي، إلى الانشطار الطولي، شيعي سني كردي حاكم مقابل شيعي سني كردي معارض، وهي معادلة غير ممكنة التحقق لأن السياسيين الشيعة يعتقدون بأنهم حكام البلد فكيف ينتظمون في صفوف المعارضة، وكذلك الحال بالنسبة للأكراد والسنة، حيث يريد الجميع الاستمرار في مستنقع الفساد والمنافع.

ولعل سيناريوهات بناء “الكتلة غير الطائفية” هي مجرد شعارات مخادعة المقصود بها توفير الذرائع لحماية النظام السياسي، والإيهام بأن لا بديل سياسيا عن حكم الأحزاب الشيعية، في تجاهل للكوارث التي تركتها سياساتها على الشعب العراقي، والتغافل عن حقيقة أن الترتيبات الأخيرة لم تغيّر جوهر الحكام السياسيين الشيعة، وإن هاتين الكتلتين المطلوب تحويلهما إلى كتلة كبرى تدعم عادل عبدالمهدي هما قلب الإسلام السياسي الشيعي، بل إن كفتهما تميلان في الولاء للخارج، ولن تتحقق الكتلة المنقذة بسهولة رغم دعم الأكراد وجزء من السنة.

مثل هذا الانشطار الطولي لم يتحقق وإنما هناك ضغوط إيرانية ومصالح ومنافع حزبية هي الدافعة للتطورات الشكلية الحالية التي تتمنى استبعاد الحقيقة الصادمة بفشل النظام السياسي القائم وتسببه بما حصل خلال عقد ونصف، ولذلك فإن الدعوة إلى ترميم واجهات العملية السياسية فيها مجافاة للحقيقة وتجاهل لهدر كرامات الناس وحقوقهم. هذا النظام يعيش مخاطر حافة الهاوية.