منذ أن إرتمى الرئيس السوري بشار الاسد في أحضان المرشد الايراني علي خامنئي في طهران الاسبوع الماضي، في مشهد غير مألوف بين الرجلين وبين الشعبين وبين البلدين، والبحث يدور عما إذا كانت إيران قد حققت أخيراً نصرها النهائي في سوريا، وما عادت تخشى من عدو او خصم او منافس على التركة السورية التي تخلى عنها الجميع، ولم يبق منهم سوى روسيا.

لم يكن المشهد محبباً لأحد، بمن فيهم السوريون الموالون للنظام. لعله كان صادماً للكثيرين، ولا يزال. حتى الآن لم يتضح ما إذا كان الاسد قد إستُدعي على عجل الى العاصمة الايرانية، للقاء ولي الفقيه، أم أنه هو الذي طلب ذلك اللقاء العاجل، الأول من نوعه منذ الثورة السورية، وهو الذي أحرج خامنئي وأخرجه عن وقاره، عندما دخل عليه لوحده، وإحتضنه بحرارة، وفتح معه ذلك النقاش الذي لن تعرف  تفاصيله الكاملة، إلا إذا روتها المصادر الايرانية.

ليس هناك رواية سورية لخلفيات ذلك اللقاء الحميم، سوى إتفاق التعاون الاستراتيجي الذي وقعه البلدان في دمشق قبل أسابيع، وهو يتضمن إستثمارات إيرانية في قطاعات الكهرباء والمياه والطرق والاسكان، وغيرها من البنى التحتية المدرجة على لائحة إعادة الاعمار..وهو يسلط الضوء على واحد من أهم ألغاز الحرب السورية: التمويل الخارجي الذي حسمته إيران منذ اللحظة الاولى عندما قررت أن تضخ في ميزانية الدولة السورية، ما يصل الى ستة مليارات دولار سنويا، تغطي الوقود وتسليح الجيش وتجهيزه والمواد الغذائية الاساسية.. وهو رقم يتخطى بأضعاف مجموع ما دفعته دول الخليج العربية على المعارضة السورية طوال ثماني سنوات.

يمكن الإفتراض أن الاسد طار الى طهران لكي يشكر خامنئي على هذا التمويل السخي، ولكي يطلب مبالغ إضافية تسد الحاجة المتزايدة لتغطية متطلبات السوريين المعيشية الملحة مثل الخبر والغاز، ومستلزمات الجيش من الاسلحة والذخائر والمعدات الروسية التي لا تصنف كلها كهبات من موسكو، بل كمستحقات مؤجلة، واجبة السداد، إما بالعملة الصعبة أو بالمقايضة السهلة  مثل تأجير عدد من المنشآت العسكرية (البحرية والجوية ) والنفطية السورية لروسيا .

الزيارة المفاجئة جاءت في ختام جولة من الصراع الميداني والسياسي بين طهران وموسكو، على النفوذ في سوريا، وهو ما تجسد في سلسلة اشتباكات ومناوشات بين الفرقتين الرابعة من الجيش السوري الموالية لإيران والفرقة الخامسة الخاضعة للروس، والتي يبدو أنها ساهمت في تعزيز الحضور الايراني، المتغلغل أصلاً في مختلف مناحي الحياة السورية، والمتمدد حتى في أوساط المعارضة السورية السابقة، التي صالحت النظام وعادت الى "حضنه"، لا سيما في جنوب سوريا، لقاء بدل مالي إيراني مجزٍ، أكثر من البدل الخليجي السابق.

زيارة الاسد قدمت الدليل الأكيد على التفوق الإيراني في هذا السباق الخفي مع روسيا التي بات يحكى علناً في طهران وفي بعض الدوائر في دمشق عن سوء فهمها وإدارتها للشأن السوري، وعن تفاهماتها المكشوفة مع إسرائيل، وعن هواجسها الاميركية المبالغ بها، وعن مبالغاتها في طلب حصص سورية لا تستحقها، ولم تقدم ما يوازيها من تضحيات.. برغم ان الحكومتين الايرانية والسورية لم ولن تتنكرا للدور ولا للحصة الروسية، لكنهما لن تغفلا حقيقة ان موسكو أحجمت عن المضي قدماً في تنفيذ الهجوم على الشمال السوري، كما أن مخططها لإعادة اللاجئين السوريين بتمويل غربي باءت بالفشل، وكذا الامر بالنسبة الى مسعاها لمصالحة العرب مع النظام.. علما بأن هذا المسعى كان مبنياً على مناشدة العرب العودة الى سوريا لموازنة نفوذ ايران والحؤول دون هيمنتها الكاملة على ثاني بلد عربي بعد العراق.

 وعدا عن بغداد، وبعض الانحاء اللبنانية، التي اغتبطت للعناق بين خامنئي والاسد، فإن ذلك المشهد الحميم أطلق أجراس الانذار في بقية عواصم العالم: الكلام بات علنياً في موسكو عن أن الكرملين يطعن في الظهر وبات على طريق الخروج من سوريا خالي الوفاض. والذهول ما زال طاغياً في أنقرة، بعدما أصدر المرشد الايراني خلال اللقاء مع الرئيس السوري أول إدانة صريحة للمنطقة الامنية التي تسعى تركيا الى إقامتها في الشمال السوري، ووصفها بأنها مؤامرة ينبغي التصدي لها. والصدمة ما زالت ملموسة في مختلف دول الخليج العربي التي سبق أن راهنت على الدور الروسي في تحجيم حضور إيران في سوريا.

ولعل كلام خامنئي عن المنطقة الامنية تحديداً كان المؤشر على أن طهران قررت إبلاغ شريكيها في مسار الاستانة، وجميع المعنيين العرب والاجانب بالشأن السوري، أنها هي الآن صاحبة اليد الطولى في سوريا، وأن بشار الاسد عاد الى الحضن الايراني الدافىء، الذي لم يغادره يوماً..بعدما أدرك أنه أهم ما ورثه عن والده الراحل حافظ الاسد.

أما ما يقال في الغرف المغلقة عن أن خامنئي الذي أعلن إستيلاءه على سوريا، يعرض بلاده لمخاطرة شديدة، وما يتردد عن أن بشار الذي تنكر للحضن الروسي، يسير الآن بخطى متسارعة نحو حتفه.. فإنه يحتاج الى الكثير من الأدلة الحسية الملموسة على أنه ليس مجرد تمنيات!