العراقيون الأصلاء من شعبنا في الموصل وصلوا إلى يأس من معالجات حكومة محلية أو حكومة مركزية، أو دور إقليمي لإنقاذهم أو مجتمع دولي ومنظمات أممية تنتشلهم من مرارة الموت والإهانة والاستهداف المبرمج لهويتهم ووجودهم وكرامتهم.
 

الموصل بكل جمالها وربيعها وإنسانيتها وتاريخها وعروبتها، وبما تعرضت له في الماضي والحاضر من أزمات وكوارث وحصار وجوع وجرائم وإبادات مروعة، إلا أنها لم تنحز إلى الوجه المظلم والكئيب من شخصيتها، بل اختارت أن تقاوم أقسى الظروف وأن لا تستسلم لما يراد لها ضمن أجندة المشروع الإيراني المقيت الذي لم ولن يكتفي بما خلفه احتلال تنظيم داعش لها بتلك المهزلة من التوافقات السياسية والإملاءات الطائفية والتخادم السياسي للإيقاع بالموصل في مستنقع الإرهاب، ثم ازدواجية التحرير والتدمير.

كان المطلوب، كما تتضح الإجراءات والنيات لحكومة المركز وقوات الحشد “الشعبي” ومعهم قوى تنفيذية أخرى مدفوعة طائفياً، مصادرة مستقبل المدينة وتهشيم بقايا مجتمعها بما يقترب من صورة سرقة رجل مسجّى بعد إصابته بغيبوبة إثر حادث عرضي، بدلاً من إسعافه وإعادته إلى الحياة.

تناسق غريب في عزف جوقة من السياسيين ورجال الدين والأحزاب والميليشيات والإعلاميين، وإن كانوا متفرقين ومتباعدين في المكان والتوقيتات، لكنهم اجتمعوا على طعن الموصل رغم وهنها ومعاناتها من التخريب والموت وحجم الإهانة التي لحقت بها بذات اللعبة والسياق للتغيير الديموغرافي بالضغط على العصب الطائفي بالمزيد من الإجراءات الإدارية وآخرها فرض الضرائب، وبأثر رجعي لاستيفاء ما تراكم منها خلال سنوات احتلال تنظيم داعش للموصل، على العقارات والمباني والمشاريع الصغيرة من محلات الباعة والكسبة، وجزء كبير منها مهدم بالعمليات الحربية ومن بين أصحابها من قُتل أو فقد أفرادا من عائلته.

لا عجب أن يكون هذا مقدمة تمهد لقرار تنفيذي بإيقاف الإجراء الضريبي أو إلغائه لفترة الاحتلال فقط، لغرض التغطية على حصص الموازنة المشينة وفوارق التخصيصات التي وضعت محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار، وهي مناطق منكوبة، مجتمعة بما يعادل ميزانية محافظة أخرى، وهي محاولة مكشوفة لإيصال رسائل عقاب جماعي طائفي إضافة إلى شحن المحافظات الأخرى بسياسة المفاضلة واحتكار السلطة والمال الذي يتسرب عادة إلى الأحزاب المتنفذة ويكون عرضة للشد والجذب والاتهام والإقالة حد الاشتباكات وما تسببت به من تعطيل انتخاب مجالس المحافظات.

هجوم ممنهج على الموصل وأهلها بنقص الخدمات وتأجيل حركة الإعمار في مدينة ضربت الأرقام القياسية في كميات الأنقاض ومخلفات عبوات الحرب غير المنفلقة في البيوت والأزقة والساحات، إضافة إلى الجثث والجسور المهدمة.

يتحجج بعضهم بسياسة الإبقاء على الموصل المدمرة باعتبارها عهدة عالمية تقع على ذمة دول التحالف والمجتمع الدولي، وبانتظار التعهدات المالية للدول المانحة المشاركة في مؤتمر الكويت التي لم يصل منها شيء يذكر لفشل الأداء الحكومي وتعدد مصادر السلطة بما ترك الباب مفتوحاً أمام فقدان الثقة في شفافية التصرف بالأموال ومخاوف انعدام الأمن الذي تساهم الدولة في الترويج له انخفاضا وصعودا على مقياس توصيات ولاية الفقيه الصريحة التي عجلت في حل معضلة موازنة إقليم كردستان مع حكومة بغداد في إطار إستراتيجية الصراع مع النفوذ الأميركي في الإقليم.

الحديث عن فترة زمنية مشابهة لما عاشته الموصل قبل احتلال تنظيم داعش لا يجانبه الصواب رغم أنه يضرب عصفورين بحجر من زاوية رؤية الحشد الميليشياوي وما ينفذه على أرض الموصل بتهيئة الأجواء المناسبة لاستملاك البيوت والعقارات والأراضي على طريقة مص دماء هؤلاء الجياع والمحتاجين والعاطلين عن العمل لمقايضتهم بأموال زهيدة مقابل بيوتهم المهدمة أو الآيلة إلى السقوط، بما يشجعهم على طلب الهجرة واللجوء خلاصاً من واقع مرير واحتمالات صراعات غاية في الخطورة ملامحها تتضح في الاختطافات والاغتيالات وارتفاع نبرة نظرية المؤامرة بين الأطراف المسلحة في المناطق المتنازع عليها، وسط موجة تنقيب عن ثغرات تعريب أو تكريد سابقة، وتنقيب آخر عن استدلال شركات عالمية على ثروات طبيعية ستقلب الكثير من المعادلات الاقتصادية التي صارت درعاً واقياً بيد هؤلاء الذين تصدح حناجرهم بالولاء للولي الفقيه، ولا يتأخرون لحظة واحدة عن تعميق جراح الموصل باستخدام أدواتهم التقليدية لغرس مأساة المدينة وما تحيا به من كوارث كسلاح للمِنّة والإذلال، لأنها تمثل أكبر نسبة إنتاج للنفط ولا تحظى بنعيم ثرواتها، في محاولة للتغطية على فسادهم وتغول خطابهم الطائفي وسيطرة ميليشياتهم الإيرانية على مقدرات البصرة.

للعراقيين فرصة للتوحد على مذبح مدينة الموصل، خاصة وأن 50 أو أكثر من رؤوس بناتنا الأيزيديات عثرت عليها القوات البريطانية في منطقة الباغوز السورية المحاذية للحدود العراقية، ومن هذا الوجع الملحمي المتكرر الذي تسعى الأجندات، وبالذات الإيرانية المتغلغلة في السلطة والسلاح والبرلمان لأن يكون أدوات تفرقة وتناحر واضعة أسباب فشلها الممنهج والمتعمد في سلة المال وتوزيع الثروات بعد أن استنفدت البعض من محتوى سلال دماء الأبرياء والاقتصاد والمحاصصة والتجهيل والإرهاب في تماه مع إرادة وحاجات النظام الإيراني في هذا التوقيت الحرج الذي تتكشف فيه كل يوم مخاطر الإفلات من العقاب المستمر على الجرائم والهوس بتعاليم ولاية دموية لعل أكبر شواهدها ما أقدم عليه الخميني أثناء الأيام الأخيرة من قرار تجرعه السم بإيقاف إطلاق النار في الحرب الإيرانية ضد العراق، تنفيساً عن غضبه، عندما أقدم على إصدار فتوى بإعدام أكثر من خمسة آلاف مواطن إيراني معظمهم من الشباب الذين يعتقد أنهم يشكلون طابوراً من المعارضين لسياساته.

أعدمهم خارج صلاحيات القضاء في مجزرة أعادت عرضها قبل أيام منظمة العفو الدولية على منظمة الأمم المتحدة في إطار برنامج عمل يهدف إلى محاسبة الانتهاكات التي ترتقي إلى جرائم حرب ضد الإنسانية، بأثر رجعي.

العراقيون الأصلاء من شعبنا في الموصل وبعد ما حصل لهم، وصلوا إلى طريق مسدود ويأس مطبق من معالجات حكومة محلية أو حكومة مركزية، أو دور إقليمي لإنقاذهم أو مجتمع دولي ومنظمات أممية تنتشلهم من مرارة الموت والإهانة والاستهداف المبرمج لهويتهم ووجودهم وكرامتهم، وذلك أمر يتعلق بجميع أهل الموصل من مسلمين ومسيحيين وأيزيديين وشبك وكل من احتضنتهم الموصل.

لذلك ثمة روح تتنازع من أجل البقاء وتراوغ كي لا تجرح الآخرين لأن جرح العراقيين ليس من شيمها، لكن الموصل تريد أن توصل صوتها أو احتضارها من خلال خليط دعوة صفوة من أبنائها لإقامة إقليم دستوري إداري، ونحن أدرى أنها رسالة استغاثة للعالم كما تستغيث البصرة وكربلاء والناصرية أو الأنبار، أو كما تستغيث بغداد.

لهذا على الموغلين في ثلم كرامة الموصل من غلاة المشروع الإيراني في العراق أن يتحسبوا ليوم عراقي بكل معنى الكلمة، يقول كلمته الفصل في الاحتلال برمته، وليس فقط في كبار الفاسدين الذين سلموا الموصل مقابل صفقات مشبوهة إلى الإرهاب، وفعلوها مع البصرة وغيرها من مدن الجنوب عندما تم تسليمها إلى أحزاب إيران وميليشياتها.

بعد أن وصلنا في العراق إلى نقطة اللاعودة واللاتعايش مع مشاريع الاحتلال وفوضى الميليشيات الإيرانية ونظام المحاصصة المستشري في مفاصل الدولة، ماذا تعني لنا الموصل أو البصرة أو الدعوة إلى الأقاليم سوى استغاثة من أجل تحرير العراق.