ليس أسهل في العراق من تشكيل كيان سياسي جديد، حيث تتناسل الكيانات عن بعضها البعض فتأتي متطابقة في تركيبتها من أشخاص لاهثين وراء مصالح شخصية و”أمجاد” ذاتية دون أن تجمع بينهم أي روابط فكرية أو آيديولوجية، ودون أن يمتلكوا أي رؤى أو برامج.
 

جاء إعلان زعيم ائتلاف الوطنية في العراق، إياد علاوي، عن تشكيل “المنبر العراقي”، بوصفه “مشروعا سياسيا جديدا”، ليعمّق حالة الفشل السياسي التي ارتهن لها الزعيم الليبرالي المخضرم، منذ لحظة مغادرته منصب رئيس الوزراء العام 2005.

وبينما كان ائتلاف علاوي يخوض مفاوضات مريرة للحصول على حقيبة الدفاع في حكومة رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي، ظهر زعيمه فجأة وسط عدد من الوجوه السياسية المستهلكة ليعلن ولادة تشكيل سياسي جديد قال إنّه يستهدف تحقيق “وحدة الشعب العراقي”.

وبحسب متابعين للشأن السياسي العراقي، فإنّ “المنبر” الجديد لعلاوي لم يخرج عن نهج بات مألوفا في تشكيل الكيانات السياسية في العراق بطريقة سهلة وسريعة دون تحضير مسبق، حيث لا يتطلّب الأمر أكثر من تجميع عدد من الشخصيات التي لم تستطع تحقيق المكانة التي تحلم بها من خلال كيانات سياسية أخرى، واختيار عنوان فضفاض ورفع شعارات عامّة هي عبارة عن انتقادات بديهية للعملية السياسية، أو تلخيص لمطالب شعبية متداولة على أوسع نطاق، دون أن يكون هناك أيّ رابط فكري أو أيديولوجي للأشخاص الذين يتم تجميعهم، أو أي برامج واضحة للكيان المشكّل.

ولاحظ مراقبون التناقض الكبير بين لهاث ائتلاف علاوي للحاق بركب المحاصصة من خلال الاستقتال للحصول على حقيبة الدفاع في إطار نظام يكرّس الانقسام الطائفي والعرقي، وبين الإعلان عن أن أبرز أهداف “المنبر العراقي” الجديد، هو “صيانة وحدة الشعب العراقي”.

وبرغم الحضور الثابت الذي حافظ عليه علاوي في المشهد السياسي العراقي منذ تنحيه عن رئاسة الحكومة فإنّ خريطة تحالفاته اللاحقة عكست تخبطا واضحا، إذ اقترب من قوى علمانية مرة وتحالف مع قوى عشائرية مرة وقوى ذات خلفيات إسلامية مرة ثالثة.

علاوي يحاول التخلص من تبعات الانتخابات التي جعلته الطرف الأضعف في ائتلاف لم يعد يملك فيه سوى صوتين

وعلى حد تعبير نوري المالكي، الخصم اللدود السابق لعلاوي، في حديث خاص لبعض مقرّبيه، فإن زعيم ائتلاف الوطنية، يضع حلم العودة إلى منصب رئيس الوزراء هدفا وحيدا لكل مشروع سياسي ينخرط فيه، ما يفسّر تنقلاته بين مشروع سياسي ونقضيه، من دون أن يصنع علامة سياسية بارزة.

ولعل أفضل مثال يشرح حالة علاوي، تجسده جملة زعيم الوطنية الشهيرة “لا أدري” التي صاحبت الكثير من حالات ظهوره الإعلامي. إذ لم يتردد علاوي في الرد قائلا “ما أدري” باللهجة المحلية الدارجة كلما سئل في الإعلام عن تطور سياسي هنا أو سبب الفشل في ملف ما.

وكثيرا ما يبدو علاوي في مجالسه الخاصة، ساردا لتاريخ “مغامراته” السابقة، أكثر من كونه سياسيّا لديه تصوّر عما يريد أن يفعله.

ويتحدث علاوي كثيرا خلال الجلسات الخاصة، عن علاقاته بعدد من زعماء المنطقة ومعظمهم من السابقين للتذكير بقيمته السياسية، لكن هذا الحال لم ينفعه كثيرا.

وعكست الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي شهدها العراق في مايو الماضي، التراجع الكبير الذي سجلته شعبية علاوي. فبعد النجاح الكبير الذي حققته القائمة العراقية التي قادها في انتخابات 2010 وحلولها في المركز الأول متفوقة على قائمة المالكي الذي كان على رأس السلطة في حينها، ثم نجاحه بمفرده في تحقيق 20 مقعدا خلال الانتخابات التالية في 2014، حقق علاوي 15 مقعدا في انتخابات 2018، برغم تحالفه مع شخصيات سنيّة قوية مثل صالح المطلك، ورئيس البرلمان آنذاك سليم الجبوري.

ومع أن ائتلاف الوطنية، حاول أن يبدو متماسكا خلال المفاوضات السياسية، إلا أن مصادر “العرب” تؤكد أن علاوي لا يملك داخل الائتلاف أكثر من صوته وصوت نائب واحد فقط إلى جانبه، بعدما حجز مرشحو الجبوري نصف مقاعد القائمة، وتوزع النصف الآخر بين ثلاثة أحزاب.

ويقول مراقبون إن علاوي يفتش منذ شهور عن سبيل للخروج من الدائرة الضيقة التي فرضتها عليه نتائج انتخابات مايو، ويبدو أنه وجد ضالته في “المنبر العراقي”.

مراقبون: "المنبر" الجديد لعلاوي لم يخرج عن نهج بات مألوفا في تشكيل الكيانات السياسية في العراق بطريقة سهلة وسريعة دون تحضير مسبق

ويقول علاوي إنّ المنبر العراقي يسعى إلى تغيير مفوضية الانتخابات وحصر السلاح بيد الدولة، فيما يعتقد مراقبون أن زعيم الوطنية وتشكيله الجديد لا يملكان الأدوات اللازمة للوفاء بهذه التعهدات، لا على مستوى التأثير السياسي ولا على مستوى الجماهيرية.

ويقول وائل عبداللطيف وهو أحد وجوه “المنبر العراقي” إن “علاوي جاء الى هذا التشكيل السياسي الجديد بمفرده وليس بصفته زعميا لائتلاف سياسي، وهو حال جميع من اختار الانخراط في المنبر العراقي”.

ويضيف عبداللطيف وهو سياسي شبيه بعلاوي من حيث التحوّلات السياسية الغريبة إن “العملية السياسية في العراق متوقفة، بعد فشل الحكومة الجديدة في تحقيق تقدّم”، مشيرا إلى أن “البلد الآن بحاجة إلى رؤية اقتصادية وهذا ما يحاول المنبر العراقي تقديمه”.

ومع ذلك يلاحظ مراقبون هيمنة التصورات العامة على خطاب إعلان تشكيل المنبر العراقي، إذ حضر فيه الشجب للمحاصصة ونقد الفساد السياسي وعجز الحكومة والبرلمان الجديدين عن تغيير الواقع البائس الذي تعاني منه البلاد، من دون تحديد السبل التي سيجري بموجبها مواجهة هذه الإخفاقات.

ولا يختلف حال كثير من أعضاء المنبر الجديد عن حال علاوي وعبداللطيف، إذ ارتبطت معظم الأسماء بتقلّبات سياسية متناقضة وحضور باهت في مشاريع سياسية لم تقد إلى شيء، على غرار السياسي المخضرم حسن العلوي والزعيم القبلي عدنان الدنبوس.