التظاهرات الشعبية في الجزائر منذ أن أعلن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة ترشيحه لتولي الرئاسة للمرة الخامسة يظهر عجز المؤسسة العسكرية وبعض القيادات السياسية على التوافق حول مرشح بديل يضمن مصالحهم. التظاهرات ضد ترشيحه كانت قائمة والرئيس الجزائري موجود في سويسرا للعلاج. الرجل في ٨١ من عمره ووضعه الصحي تدهور منذ ٢٠٠٣ حين اصيب بجلطة اقعدته واصبح صعباً فهم كلامه. ومنذ فترة لم يعد يستقبل الزوار الرسميين الاجانب لتدهور وضعه الصحي. والذين التقوه منذ حوالى ثلاث سنوات يروون انهم لم يتمكنوا من فهم ما يقول. فكيف يمكن ان ينتخب الجزائريون رئيساً لا يرونه الا عبر صوره ورسائل تنشر باسمه، علماً ان عقله ما زال صائباً بحسب المتابعين. هل يعقل ان بلداً مثل الجزائر حيث عدد السكان اكثر من ٤٢ مليوناً و50 في المئة منهم في سن العشرين لم يقدم لهم منذ نشأتهم الا بوتفليقة.

وهل ان المؤسسة العسكرية والكوادر النافذة في الحكم لم تكن قادرة على اختيار شخصية اخرى لترشيحها او ان المصالح المتضاربة حالت دون ذلك. ان التظاهرات الشعبية ايام الجمعة والاحد الماضيين والمتوقعة يوم الجمعة المقبل تلقي الضوء على خطورة ما يجري في الجزائر. وأيضاً على مسوؤلية ولنقل خفة المؤسسة العسكرية التي لم تنجح حتى في الاتفاق على ترشيح بديل مقنع، خصوصاً ان الشخصيات الجزائرية القادرة على ملء هذا الدور كثيرة، فالجزائر لا تنقصها كوادر تعاملت مع المؤسسة العسكرية ويمكن ان تضمن لها مصالحها مثلما فعل بوتفليقة. ونجاح الاخير في الحصول على توافق العسكر يعود الى اولا انه اسكت بعضهم وأحال البعض الآخر على التقاعد ونجح في المصالحة الوطنية قبل مرضه. ثم وزع اموالاً طائلة خلال الانتخابات على البلديات عندما كانت اسعار النفط والغاز مرتفعة ولم يكن منشغلاً بصحته المتدهورة. كانت سياسته بمثابة عمليات تخدير في بلد غني لم يشهد اي استثمار فعال ويستورد كل شيء من الخارج.

واليوم والجزائر تعاني من اقتصاد يتدهور بسبب تدني عائدات النفط والغاز، تغير الوضع وزال مفعول تخدير الشعب.

كان سعر النفط مرتفعاً بلغ مئة دولار للبرميل وسعر الغاز مرتفعاً ايضاً. اما اليوم والجزائر بلد منتج اساسي للغاز فقد انخفضت اسعاره وزاد التنافس من الغاز الاميركي والروسي والقطري. وفي ٢٠١١ كانت توزع ثروة النفط والغاز في البلد لشراء السلم الاجتماعي اما الآن فأصبح ذلك أصعب.

الجزائر تكاد لا تنتج شيئاً. كان احتياطيها المالي ١٧٠ بليون دولار وقد اصبح الآن حوالى ٧٠ بليوناً. وفي ١٩٨٨ قمع الجيش الجزائري التظاهرات بالسلاح ما ادى وقتها الى سقوط قتلى. اما اليوم فالجيش منهمك بمراقبة الحدود مع النيجر وليبيا ومالي ولم يعد بامكانه ان يتصرف مثلما فعل في 1988.

ولكن، هناك تساؤلات حول كيفية معالجة الحراك الشعبي المتوقع يوم الجمعة وكيف سيرد عليها النظام الجزائري الفاشل. فهو فعلاً فاشل بفساده وبعدم توفيره لهذا البلد الغني ظروفاً معيشية جيدة وفرص عمل للشباب، إذ عمد الى تخدير الشعب بدل خلق له ديناميكية اقتصادية بالاستثمار في الصناعة والزراعة والسياحة. (بلد شاسع يكاد يكون اجمل مقصد للسياحة، ولكن لا شيء يجذب السائح اليه سوى هذا الجمال الضائع).

اما الملفت فهو سكوت فرنسا الرسمية ازاء ما يحصل في الجزائر، في حين ان الرئيس إيمانويل ماكرون تدخل سريعاً بما يحصل في فنزويلا مؤيدا المعارض للرئيس مادورو غيدو، وفماكرون امام مأزق تجاه الجزائر اذ انه في العمق قد يكون مؤيداً للمطالبين بالانتخاب الديموقراطي، ولكن في الوقت نفسه لديه مخاوف من نزوح جزائريين الى فرنسا وهذا يشجع القوى الشعبوية الفرنسية المضادة للهجرة. والسبب الآخر الذي يدفع ماكرون الى تجنب تأييد الشعب الجزائري ان فرنسا تقود حرباً ضد الارهاب في مالي والنيجر وليبيا. وللجزائر اكبر حدود مع الصحراء كما لديها اكبر حدود بحرية مع اوروبا ١٥٠٠ كلم ما يعني ان الجيش الجزائري موجود على الحدود الجزائرية مع الصحراء وايضاً على حدود المتوسط مع اوروبا، فزعزعة استقرار الجزائر مقلقة جدا لفرنسا، ما يؤدي الى تحفظ الاوساط المسوؤلة الفرنسية ازاء التظاهرات الجزائرية ضد ترشيح بوتفليقة لرئاسة خامسة، خصوصاً ان الرئاسة الفرنسية تعرف اكثر من الجزائريين عن وضعه الصحي بدقة، لكونه قصد فرنسا مرات للعلاج. فهل تعي المؤسسة العسكرية الجزائرية خطورة الاستمرار في ترشيح بوتفليقة ام انها تسحبه ساعية الى التهدئة؟ سيظهر ذلك في الايام المقبلة وموعد الانتخابات الرئاسية في نيسان (ابريل) يقترب.