لا تستطيع مشاريع «سيدر»، على أهمّيتها، أن تجترحَ العجائبَ لإنقاذ الاقتصاد اللبناني، لكنها تساعد في نموّ حجم الاقتصاد وخلق فرص عمل، شرط أن تواكبَها الحكومة بالإجراءات المطلوبة. لكن ثمة مؤشرات حتى الآن، لا تشجّع المراهنة على النجاح.
 

يصل الى بيروت في اليومين المقبلين بيار دوكان، الموفد الفرنسي المُكلّف من الرئيس إيمانويل ماكرون، متابعة تنفيذ مقرّرات مؤتمر «سيدر».

وفي التقييم الأوّلي يبدو أنّ الحكومة بدأت تُنجز ما هو مطلوب منها للبدء في المشاريع الواردة في هذا المؤتمر، والمتعلقة في غالبيتها بمشاريع بنى تحتية.

وسوف يعطي دوكان الأولوية في محادثاته، لإعادة إطلاق المشاريع التي كان تمويلها جاهزاً قبل «سيدر»، والمجمّدة لأسباب غير معروفة، فسّرها البعض بأنها إهمال بسبب عدم وجود إمكانات للهدر والسرقة فيها، لأنها مموَّلة مباشرة من الجهة المانحة.

وتبلغ قيمة هذه المشاريع حوالى 3,3 مليارات دولار. كذلك سيركّز دوكان، على ملف الكهرباء، الذي تعتبره الدولُ المانحة بمثابة ممرٍّ إلزامي للبدء في تنفيذ مشاريع «سيدر». ومن دون فتح هذا الممرّ، لن يتمّ الانتقالُ الى العمل في مشاريع البنى التحتية المتبقية.

وسبق لدوكان أن قال بوضوح، سواءٌ في العلن، أو في الغرف المغلقة، إنّ ملف الكهرباء هو الاختبار الرئيسي الذي تخضع له الحكومة اللبنانية. إذا نجحت فيه، يتمّ الانتقال الى تنفيذ لائحة مشاريع البنى التحتية، وإذا فشلت يكون مؤتمر «سيدر» بأكمله قد فشل، ويقف قبل أن يبدأ تنفيذُه.

هذا الرهان من قِبَل الدولة الراعية لـ«سيدر»، لا يتعلّق بتصنيف أولويات البنى التحتية، بقدر ما يرتبط بنقطتين:

أولاً- لأنّ ملف الكهرباء عالق بلا توفّر سبب منطقي يسمح بتبرير فضيحة دفع حوالى 30 مليار دولار، خلال 30 سنة وربما أكثر، خسائر متراكمة أدّت الى تكبير حجم الدين العام بهذه الوتيرة.

ثانياً- تساهم معالجة ملف الكهرباء لوحدها في خفض العجز السنوي في الموازنة بحوالى 30%.

وفي هذا السياق، تبدو مسألة خفض العجز المالي هي بيت القصيد في هذا الإصرار على ملف الكهرباء قبل سواه من الملفات.

لكنّ السؤال الذي قد يطرحه دوكان على المسؤولين، وبعيداً من ملف الكهرباء، سيكون التالي: ماذا فعلتم لتنفيذ بند خفض العجز المالي الذي تعهّدتم به في باريس في العام 2017، بمعدل 1% سنوياً، وصولاً الى سقف 5%؟ وماذا ستفعلون لتعيدوا العجز الى ما كان عليه في موازنة 2017، أي حوالى 10%؟ لأنه وصل في العام 2018، وهو العام الذي كان يُفترض أن يحافظ فيه العجز على نسبة الـ10%، الى حوالى 13%، قياساً الى حجم الاقتصاد المقدَّر حالياً بحوالى 56 مليار دولار.

السؤال الآخر الذي سيطرحه دوكان، سيكون حول مشروع موازنة 2019. أين أصبحت، وما هي نسبة العجز المقدَّرة فيها، وهل سيتمّ الالتزام ببدء الخفض التدريجي بنسبة 1% سنوياً؟

عندما جاء دوكان الى بيروت في العام 2017، للتحضير لانعقاد مؤتمر «سيدر» سأل المسؤولين اللبنانيين عن خطتهم لتعويض الإنفاق الاضافي الذي فرضته سلسلسة الرتب والرواتب على الموازنة. وصارحهم يومها، أنه ينبغي إما إعادة خفض رواتب القطاع العام، وإما ابتكار وسيلة لزيادة الإيرادات بالنسبة نفسها للزيادة التي تستهلكها زيادة الأجور من الخزينة، وإما خفض قيمة صرف سعر الليرة بنسبة تراوح بين 30 و35%. يومها، لم يلقَ دوكان جواباً، أو تجاوباً، واختارت السلطات الحلَّ المُفضّل لديها دائماً: إبقاء الوضع على ما هو عليه.

اليوم، سيطرح دوكان سؤالاً آخر: ماذا ستفعلون لتصحيح الخلل الذي تسبّب به خرق القانون بحيث تمّ تكبير حجم القطاع العام في سنة 2018، حوالى 4%، وأضيف نحو 10 آلاف موظف بين مدني وعسكري الى الوظيفة العامة، قد تصل كلفتهم السنوية على الخزينة (باحتساب الرواتب والملاحق والمساعدات وتعويض نهاية الخدمة والتقاعد) الى حوالى 200 مليون دولار. وهذه الزيادة ترفع نسبة العجز في الموازنة بحوالى 0,4%. فهل هكذا تعملون على تنفيذ وعودكم بخفض الموازنة؟

في التقديرات التي وضعها صندوق النقد الدولي في العام ٢٠١٧ كان يُفترض أن يبلغ حجم الدين العام على الناتج في العام 2018 حوالى ١٥٠٪‏، لكنه تجاوز هذه النسبة الى حوالى ١٥٤٪‏ لأنّ السلطات اللبنانية فاجأت الصندوق بإنفاق إضافي غير متوقع.

ويبدو أنّ هذه السلطات قد تفاجِئ الجميع في العام ٢٠١٩ بأرقام عجز إضافية. المؤشر الذي سيُظهر المسار الذي ستسلكه الحكومة يرتبط بالطريقة التي ستعالج فيها مشكلة الحمولة الزائدة في القطاع العام، وهو المؤشر شبه الوحيد الذي يمكن الاستناد اليه لتلمُّس الاتجاه الذي يسلكه الوضع المالي والاقتصادي في البلد، بصرف النظر عن «سيدر» ومشاريعه.