أجمعت كل ردود الفعل المعلنة وغير المعلنة على المواقف التي أطلقها أمس رئيس الجمهورية ميشال عون في الجلسة الاولى لمجلس الوزراء حول ملف النازحين السوريين وسياسة «النأي بالنفس» عمّا يجري في سوريا، على انّ هذا الملف سيكون أولوية الأولويات في هذه المرحلة، خصوصاً انّ بعض الاحصاءات الجديدة تؤكد أنّ عدد هؤلاء النازحين في لبنان يفوق المليونين و285 ألف نازح.
 

قال عون لمجلس الوزراء انه رئيس البلاد ومؤتمن على الدستور، وهو من يحدد مصلحة البلاد العليا. سمع رئيس الحكومة سعد الحريري هذا الكلام ولم يرد عليه لا تأييداً ولا رفضاً.

وقد فسّر البعض صمت الحريري بوجهين: إمّا انه لم يؤيّد كلياً وضمنياً ما ذهب اليه عون، وبالتالي آثَر عدم الرد متجنّباً التصادم معه في بداية انطلاقة الحكومة الجديدة. وإمّا انه يؤيّده من حيث المبدأ لأنّ النازحين السوريين يجب ان يعودوا عاجلاً أم آجلاً، ولكنه يُحبّذ ان تتم هذه العودة وفق «المبادرة الروسية» التي يؤيّدها.

لكنّ بعض الوزراء اعتبروا انّ مجرد صمت الحريري يعني أنّ أفق العلاقة اللبنانية ـ السورية في المرحلة المقبلة ستحدده «المصلحة الوطنية كما يراها عون نفسه». وبالتالي، فإنّ ملف النازحين والعلاقة بين لبنان وسوريا ربطاً به سيقودها عون في اعتبارها «أولوية الأولويات».

وقيل انّ عون قال هذا الكلام أمام الموفد الملكي السعودي الدكتور نزار العلولا عندما استقبله في القصر الجمهوري خلال زيارته الأخيرة لبيروت، ونقل مطّلعون على موقف رئيس الجمهورية انه اكد خلال اللقاء انّ لدى لبنان مليون ونصف مليون نازح سوري «يخنقونه ويحمّلون اقتصاده أكثر من طاقته»، وانّ لبنان يريد إعادة هؤلاء النازحين الى بلادهم، ولكن هذا لن يتم إلّا بالانفتاح على الرئيس السوري بشار الاسد.

وهذا الانفتاح إذا اقتضى منه، اي عون، أن يزور نظيره السوري فلن يتردد في القيام بهذه الزيارة شخصياً، او يقوم بها وزير الخارجية جبران باسيل.

وشدّد على ضرورة حصول تعاون كبير مع لبنان ودعم الحريري والحكومة في معالجة أزمة النازحين «لأننا نخشى في المرحلة المقبلة ان يعود الارهاب ويتغلغل في هذه البيئة».

ويلفت البعض انّ الحريري يتعاطى مع ملف النازحين من خلال المبادرة الروسية، ولكنّ زيارة وزير شؤون النازحين صالح الغريب لدمشق قبَيل انعقاد الجلسة الاولى لمجلس الوزراء بعد نيل الحكومة الثقة النيابية، والموقف الذي أعلنه وزير الدفاع الياس بو صعب على هامش مؤتمر الأمن في ميونيخ المؤيّد للنظام السوري في مواجهة تركيا، شَكّلا رسالة مزدوجة مبكرة حول ما ينبغي ان يكون عليه التعاطي الرسمي واللبناني عموماً مع ملف النازحين في ظل الحكومة الجديدة، وكذلك في ضوء التطورات الميدانية التي تشهدها الساحة السورية.

فالموقف الذي عبّر عنه عون امام الوزراء بهذا المستوى من «الحسم والحزم» ورفعه جلسة مجلس الوزراء في ظل «الكلام الكبير» الذي نقل عنه حول قتاله ضد السوريين عام 1989 وعن انّ «القوات اللبنانية قَصفته فيما كان في طريقه الى مقر السفارة الفرنسية للجوء إليها نتيجة الهجوم السوري عليه، دَلّ، حسب وزراء، الى «انّ ملف النازحين السوريين لن يكون خاضعاً بعد الآن للاشتباك السياسي ولا للابتزاز السياسي، وانّ من رفعوا الصوت في مجلس الوزراء معارضين عودة النازحين تحت عنوان رفض «التطبيع» مع النظام السوري، «فوجئوا بأنهم متفرّدون في هذا الموقف»، بدليل صمت الحريري ورئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط، وبَدا انّ رفع الصوت «لم يكن أكثر من تسجيل موقف»، على حد تعبير هؤلاء الوزراء الذين توقفوا عند زيارة السفيرة الاميركية اليزابيت ريتشارد الاخيرة للحريري لتهنئته بتأليف الحكومة، وأعتبروا انّ البيان الذي أذاعته بعدها مُتضمناً مواقف أميركية عالية النبرة والقسوة ضد «حزب الله» وحلفائه، كان محاولة تَصدٍ للوضع المستجد في ملف النزوح والذي لواشنطن نظرة مختلفة إليه، ولكنّ الأميركي المنسحب من سوريا، في رأي هؤلاء الوزراء، قد لا يستطيع التغيير في الوقائع الكبيرة التي يشهدها موضوع النازحين، خصوصاً انّ أكثرية الشعب اللبناني، بكل تناقضاته السياسية والطائفية والمذهبية، مقتنعة بأنّ هؤلاء النازحين باتوا عبئاً كبيراً ضاغطاً على واقع لبنان.

ولذلك، في رأي الوزراء أنفسهم، انّ على المراقبين السياسيين وكل المتعاطين الشأن اللبناني داخلياً وخارجياً، أن يقرأوا جيّداً الرسالة التي وجّهها عون في أولى جلسات مجلس الوزراء، وانفجار العنوان السياسي (اي ملف النازحين) بالنحو الذي انفجر فيه، يؤكدان وجهة التطورات اللبنانية المقبلة.