العباقرة لا يتسع لهم ميدان واحد. فيضهم لا تكفيه حلبة محدودة المساحة. هؤلاء يريدون الأفق سقفاً، والعالم كله مصدر إلهام. لم يكن كارل لاغرفيلد مجرد مصمم ملابس. هذا توصيف يظلمه كثيراً. كان صانع يوميات، مركّب مشاهد، مؤلف حكايات نابضة، مصدر إدهاش، وموضع فضول. كان الصحافيون يتنافسون لا لتصوير فساتينه فقط، بل صاحب الحظ السعيد، من يستطيع أن يقتحم عالمه السري الخلفي الذي هو أكبر وأشمل من كل ما يعرضه على المنصات وتصوره الكاميرات. السبق هو أن تذهب أبعد مما يعرفه الجميع، وأن تكشف عن تلك المساحات الهائلة التي كانت تنتشر فيها كتبه المقدرة بمئات الآلاف. بعض من تلك الأماكن كانت منازله، ومكتبته الشهيرة 7L على مقربة من عيادة جاك لاكان، أشهر المحللين النفسيين الفرنسيين وأهم من فسّر نظريات سيغموند فرويد. في «شارع ليل» يمكنك أن ترى ما يزيغ له البصر، ويعجز عن وصفه اللسان، أرفّ من الأرض إلى السقف المرتفع، كتباً مصفوفة، تجدها على الطاولات، على الأرض في كل اتجاه. هي مرتبة وفق المذاق الذي يريده صاحبها ويساعده في العودة إليها، لا تبعاً لمنطق المكتبيين الصارم. المساحة لا تشبه ما يديره الأفراد، هو مكان يصلح لفتحه لخدمة العموم. لا يمكن أن يكون هذا المهووس قد وجد الوقت لانتقاء كل هذا، لكنه فعل. قرأ في الصباح حين يفتح عينيه، وفي الليل قبل أن يغمضهما، لعله يستطيع أن يلتهم بعضاً مما يريد أن يعرفه، في أقصر وقت ممكن. هو رجل الأوراق التي لم تفارقه وبقي يرسم عليها ويسلّم مساعديه، ويفخر أنه قادر على توضيح أصغر التفاصيل بحيث يمكن تنفيذها بشكل كامل ودقيق دون العودة إليها. «أنا أرسم أسرع مما أتكلم»، لكنه أيضاً صديق الأدباء، عاشق الكلمات، متيم بالشعر. هكذا كان يصف نفسه، معتبراً أن مراكمة المعرفة هي حاجته الفيزيائية العضوية التي بها ينتعش جسده ويحيا.

متعدد الهويات حد احتراف ما يحب، متحرر وشغوف، هذه مفاتيح شخصية «لاغرفيلد» الأيقونة التي بقيت تفتن وتثير الأسئلة حولها. بدأ بالتصوير الفوتوغرافي صغيراً أيضاً، عشقه للإتقان في العمل، جعله لا يرضى عن الصور التي تلتقط لتصاميمه، قرر أن يصور كتالوغاته بنفسه. هذا أدعى للرضا. لو تمكن من فعل كل شيء بيديه لما توانى. أصعب ما كان يواجهه هو العثور على المحترفين. «أنا أكره الهواة» هكذا كان لا بد أن يضع بصماته الذاتية أيضاً في الإعلانات التي هي حاجة لإنجاح عمله، ولم لا يكتب الكلمات المرافقة أيضاً، وبعض الافتتاحيات، ويتدخل في الديكورات؟! هو ليس فناناً فحسب، هو مايسترو باهر، يدير بمهارة نادرة فريقاً ضخماً من المبدعين الذين يعمل معهم، ويجد الوقت ليغذي حواسه المستنفرة، التواقة لامتصاص كل ما يمكن أن يساعده على الابتكار. تمتع بذاكرة بصرية استثنائية، كان يظن دائماً أنها كانت مساعده الأول في إعادة تركيب ما يرى بطريقة مختلفة.

حتى أولئك الذين لا يهتمون بالأزياء ولا تعنيهم الأناقة يعرفون كارل لاغرفيلد. تجاوز الرجل ميدانه، تخطى اختصاصه، صارت مجرد صورته مصدر جذب. «مات رجل القرن» عنونت إحدى الصحف بعد الإعلان عن رحيله. يبدو الأمر غريباً للبعض لكن شخصاً كهذا لم يمر عابراً، وليس من مثيل له في عالمه. ستون عاماً وهو يعمل في التصميم، أكثر من 36 سنة على رأس «دار شانيل» التي أنقذها من موت محتوم.

ظريف حقاً، كيف أنه لم ينحت في الأقمشة والتصاميم فقط، لقد نحت نفسه، من الداخل مشتغلاً على الروح كما الخارج. بدأ حياته المهنية شخصاً خجولاً، على طموحه الوقّاد، كان لباسه أقرب إلى الكلاسيكية المفرطة. بمرور الوقت أخذ يرسم لنفسه شكلاً آخر، تغيرت ملامحه، قصة شعره، أنقص وزنه أكثر من 40 كيلوغراماً، وارتدى تلك البدلة السوداء الشهيرة التي صممها له هادي سليمان والقميص الأبيض بياقته المرتفعة، وضع القفازات في كفيه، وأخفى وجهه وراء النظارة السوداء، وصارت صورته هذه ماركة مسجلة له، حتى يظن البعض أنه هكذا كان دائماً، غامضاً، قليل الكلام، كثيف الإيحاء.

مصور محترف، مدمن موسيقى، يطارد رسوم الكاريكاتير منذ صغره، متابع محموم لإبداعات التصاميم المعمارية، هو أيضاً مجمّع أعمال تشكيلية ولوحات نادرة لكبار الرسامين الألمان. هل كان ينظر إلى نفسه على أنه هو أيضاً عمل فني يستحق التطوير والتعديل باستمرار، عندما يرسم تحولاته الذاتية؟ في هذه الحالة، هل كان يرى نفسه صورة أو لوحة أو تحفة معمارية؟ لم يختر لاغارفيلد أياً منها حين طرح عليه السؤال، بل قرر أنه أشبه إلى «تجهيز». ذكاء متوقد لا يحدّ. فالتجهيز عمل فني يركب ثم يفكّ ويندثر ويحمل في طياته بذور فنائه. كلنا إلى اندثار، والنهايات أكيدة، لكن كارل لاغرفيلد سيسجل التاريخ أنه المصمم الذي مارس قمة جنونه في غاية العقلانية والاتزان.