لم تأت مطالبة الرئيس نجيب ميقاتي الحكومة الجديدة، بأن ″تكون لطرابلس حصة اساسية ليس فقط في البيان الوزاري بل بالممارسة والتطبيق من خلال الافراج عن المشاريع الموضوعة في الادراج، وتنفيذ المشاريع التي تساهم في تحريك العجلة الاقتصادية في المدينة″، من فراغ، فرئيس كتلة ″الوسط المستقل″ المتابع لشؤون وشجون وهموم مدينته والذي يقوم في كثير من الأحيان مقام الدولة، يدرك جيدا معاناة طرابلس التي سعى قدر الامكان في حكومته الى إنصافها ورفع صفة الحرمان عنها لكن الحرب السياسية والأمنية التي شُنت عليه حالت دون تحقيق كل الطموحات.  

يناقش اليوم وغدا مجلس النواب البيان الوزاري للحكومة العتيدة التي تشكلت بعد تسعة أشهر من الانتظار، تمهيدا لمنحها الثقة والانطلاق في العمل الذي سيبقى منقوصا وغير فاعلا في حال لم يكن قسما كبيرا منه باتجاه عاصمة لبنان الثانية التي تحتاج الى كل المبادرات الايجابية للنهوض بها ورفع المستوى المعيشي والاجتماعي فيها.

منذ العام 1992 وطرابلس تنتظر الفرج من حكومات الانماء والاعمار، وهي لطالما إحتفلت بدراسات الخطط التطويرية التي أقرتها حكومات ما بعد العام 2005، لتجد نفسها أنها أهدرت ربع قرن من الزمن على أبواب الانتظار.

لم تعد طرابلس تحتاج الى دراسات لأن مشاريعها واضحة، أقله بما يتعلق بتفعيل معرضها الدولي وإيجاد قانون عصري له، وتشغيل مصفاة النفط، ومطار القليعات، ومحطة السكة الحديد، وإستكمال تطوير المرفأ الذي يمكن القول أنه إخترق جدار الحرمان لكنه ما يزال يحتاج الى سلسلة قرارات ليتمكن من لعب الدور المنوط به.

كثيرة هي الوعود التي أغدقت على طرابلس، من المشاريع المختلفة وصرف الأموال لتحسين صورتها (على سبيل المثال العشرين مليون دولار التي وعد بها الرئيس سعد الحريري لمسح صورة الحرب عن التبانة وجبل محسن والمناطق المحيطة بهما) وإيجاد فرص العمل لشبابها وتطويع بعضهم في المؤسسات الأمنية والعسكرية، لكن كل ذلك بقي حبرا على ورق ولم يأخذ طريقه نحو التنفيذ.

تُقسم مشاريع طرابلس الى أربعة أقسام:

أولا: مشاريع أقرت ولم تنفذ!.

ثانيا: مشاريع أقرت وبدأت وتواجه التعطيل!.

ثالثا: مشاريع بدأت ولم تصل الى خواتيمها بالرغم من إنتهاء مدة التنفيذ منذ سنوات وفي مقدمتها محطة التكرير التي دشنها الرئيس فؤاد السنيورة في العام 2009 قبل أن تصلها المياه المبتذلة وهي ما تزال تنتظر، والأوتوستراد الغربي الذي يربط الميناء بالبداوي الذي دشن الرئيس الحريري القسم الأول منه بعد ثماني سنوات على البدء بتنفيذه، فيما يبقى القسم الثاني منه ينتظر أن يستكمل، والمنطقة الاقتصادية الخاصة!.

رابعا: مشاريع إنطلقت وكانت وبالا على المدينة بفعل سوء التنفيذ والتشويه الذي تسببت به وأكبر دليل على ذلك مشروع الارث الثقافي الذي شكل كارثة حقيقية على المدينة القديمة!.

بحسب الوعود الحكومية منذ العام 2002،  كان من المفترض وبحسب ورقة العمل الموحدة التي وضعت في مؤتمر إنماء طرابلس الذي عقد في السراي الحكومي بدعوة من الرئيس الشهيد رفيق الحريري وبمشاركة كل قيادات المدينة، أن يكون العام 2011 هو المحطة الأخيرة التي يستقر فيها قطار المشاريع الانمائية للعاصمة الثانية والتي بلغ عددها الاجمالي آنذاك 80 مشروعا، وذلك بهدف إخراجها من واقعها المأزوم.

إلا أن المفارقة المؤسفة في طرابلس، أنها مع دخول العام 2011 وبدلا من أن تنعم بانجاز المشاريع التي أقرت لها منذ تسع سنوات، تعطلت أوجه الحياة فيها، لتدور عجلة التوترات الأمنية وجولات العنف التي حوّلت الفيحاء الى صندوق بريد وساحة مفتوحة لتبادل الرسائل النارية المتفجرة، بهدف مواجهة الرئيس نجيب ميقاتي وإسقاط حكومته من مدينته، فتنامت الفوضى وغابت الرقابة على المشاريع وعاثت الشركات المتعهدة فسادا في المدينة من دون حسيب أو رقيب، وبرغم كل ذلك تمكنت حكومة ميقاتي من إقرار مئة مليون دولار لطرابلس، ومن تمويل إنجاز عدة مراحل من المبنى الجامعي الموحد، ومن مرفأ طرابلس، وإنجاز القاعة الرياضية في الميناء بعد أربعين عاما من الانتظار، إضافة الى تمويل محطة التحويل الكهربائية التي أبصرت النور قبل عام، وإطلاق وتنفيذ بعض المشاريع الصغيرة المتعلقة بالبنى التحتية والتزفيت وسوق الخضار.

مع تشكيل حكومة المصلحة الوطنية برئاسة الرئيس تمام سلام، إنطلقت الخطة الأمنية في طرابلس، وتزامن ذلك مع وعود قاطعة بأن تترافق مع خطة إنمائية تتضمن تنفيذ مشاريع إنتاجية توفر فرص عمل للشباب، والسعي من أجل النهوض بالمدينة إقتصاديا وسياحيا وثقافيا للحد من الفقر المتنامي فيها.

لكن طرابلس التي تلقت جرعة جديدة من الوعود، وجدت نفسها أمام تطبيق خطة واحدة تتعلق بحفظ الأمن والاستقرار، أما الخطة الانمائية الموعودة فلم يتم الافراج عنها، في حين إنتظرت المدينة صرف المئة مليون دولار التي خصصت لتحسين واقع طرابلس من بنى تحتية، وتزفيت طرقات، وإنشاء جسور لحل أزمة السير، وإستملاكات، ووضع الشارات الضوئية، وإنشاء مركز لوزارة الصحة لتوزيع الأدوية المزمنة، وتأهيل قلم نفوس طرابلس، وإستكمال إنشاء سوق الخضار، وتفعيل المستشفى الحكومي، فضلا عن تأهيل كل المباني في المناطق الشعبية المتضررة من الأحداث في التبانة والقبة وجبل محسن وواجهة المنطقة التي يقام فيها مشروع الارث الثقافي، وهذه كلها مشاريع ملحة تساهم في تحسين واقع طرابلس لكنها ضُربت جميعها بعرض الحائط بعدم صرف المبلغ المقرر للفيحاء.

لذلك فإن حكومة العهد الأولى التي ترفع شعار ″الى العمل″، من المفترض أن تشمر عن ساعديها لإتخاذ القرارات المناسبة بشأن المشاريع التالية في طرابلس وهي:

ـ الافراج عن ملف شركة نور الفيحاء من أدراج وزارة الطاقة لتنعم طرابلس بالتيار الكهربائي 24 ساعة متواصلة.

ـ تفعيل معرض رشيد كرامي الدولي، وإقامة متحف للعلوم التكنولوجية او المدينة التكنولوجية وهذا الأمر بات ممكنا مع تسلم إبن طرابلس الوزير عادل أفيوني وزارة دولة لشؤون تكنولوجيا المعلومات، إضافة الى تشغيل الجناح اللبناني وسائر منشآت المعرض.

ـ الاستفادة من نفض الغبار عن مصفاة طرابلس والسعي الى تشغيلها بشكل فاعل، ووقف هدر التوظيفات التي تحصل فيها من دون طائل.

ـ  تشغيل مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض في القليعات، وإقامة منطقة حرة فيه.

ـ إستثمار جزر الميناء لاقامة مشاريع سياحية بيئية وصحية.

ـ إعادة تنظيم المرور وتخطيط أماكن الوقوف في المدينة، وتامين شبكة النقل المشترك بين طرابلس وأقضية الشمال، توسيع الطرق حول قلعة طرابلس، وتأهيل وسط المدينة.

ـ تنشيط القطاعات الصناعية من خلال المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات IDAL ودراسة اوضاعها (المفروشات، الحرف التقليدية، الألبسة الجاهزة، صيد الأسماك وغيرها).

هذا على الصعيد العام، أما على الصعيد البلدي، فان العديد من المشاريع ما تزال متوقفة أبرزها: تحويل ملعب رشيد كرامي البلدي الى مجمع رياضي، إقامة مبنى لمعهد العلوم التطبيقية والاقتصادي CNAM، إقامة محطة إنطلاق للسيارات العمومية جنوبي وشمالي المدينة، إقامة سوق موحد مطابق للمواصفات للباعة المتجولين (1200 بائع متجول) مشروع دعم القطاع الحرفي، تأهيل خان التماثيلي في الميناء، وتشغيل خان العسكر وتحويله الى متحف بعد إنتهاء مشروع تأهيله وتعيين لجنة له.

من المفترض أن تأخذ الحكومة كل هذه المشاريع بعين الاعتبار، وأن تعمل على تنفيذها تحقيقا للانصاف، خصوصا أن طرابلس تستبشر خيرا بهذه الحكومة، لذلك فإما أن تكون على قدر تطلعات الطرابلسيين، وإلا فان المدينة التي بدأت التحركات الشعبية فيها ونصب خيم الاعتصام في ساحتها الرئيسية، ستكون قريبا على فوهة بركان وسيكون حسابها لكل المقصرين بحقها عسيرا.