لن تصرف المحادثات التي يجريها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف اليوم مع أركان الدولة اللبنانية، الأنظار عن تأهب المجتمع الدولي من خلال البيان الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي والخاص بلبنان لمواكبة مدى استعداد الأخير الالتزام بخريطة الطريق الدولية كأساس للانتقال به من التأزُّم الاقتصادي والاجتماعي إلى بر الأمان، والتي تضمّنت وللمرة الأولى تشجيعه على السير قدماً إلى الأمام في تعهداته للإفادة من مؤتمر «سيدر» حيال مكافحة الفساد والهدر وتعزيز الحوكمة والمساءلة بدءاً بحسن إدارة المال العام. ذلك أن مجلس الأمن الدولي يتطرق في بيانه للمرة الأولى إلى الأمور ذات الصلة بأوضاع لبنان الاقتصادية والمالية من دون أن يغيب عن باله تذكيره بالدعوة إلى العمل بتطبيق القرارات الدولية الخاصة به والالتزام بسياسة النأي بالنفس عن النزاعات الخارجية ونزع سلاح كل الجماعات المسلحة. الجديد في بيان مجلس الأمن أنه يتلازم مع بدء المجلس النيابي غداً بمناقشة البيان الوزاري لحكومة «إلى العمل» برئاسة الرئيس سعد الحريري والذي ستنال على أساسه ثقة البرلمان التي يُفترض أن تكون مريحة داخلياً على أمل أن تلقى هذه الثقة، كما تقول مصادر وزارية لـ«الشرق الأوسط»، ارتياحاً لدى المجتمع الدولي الذي سيعاين ميدانياً مدى قدرة البلد على مساعدة نفسه من خلال تهيئة الظروف المواتية لتفعيل مقررات مؤتمر «سيدر». وتلفت المصادر الوزارية نفسها إلى أن البرلمان النيابي وإن كان سيناقش البيان الوزاري للحكومة، فإنه في المقابل سيلتزم بمضامين البيان الوزاري الآخر للمجتمع الدولي من خلال بيان مجلس الأمن ليكون في وسعه تمرير مقررات «سيدر» قولاً وفعلاً من دون مواربة. وتؤكد المصادر بأن هناك فرصة أمام البرلمان والحكومة للخروج من الروتين الذي يتصدّر عادة الجلسات النيابية المخصصة للمناقشة العامة. ويكاد البرلمان يكاد يكون نسخة طبق الأصل عن الحكومة لو لم يخرج منها حزب الكتائب وعدد قليل من النواب المستقلين، إضافة إلى نائبي الحزب «السوري القومي الاجتماعي» الممثلين بطريقة أو بأخرى بوزراء محور الممانعة. كما أن البرلمان سيكون مدعواً لتحمّل مسؤولياته وعدم غوص النواب لدى مناقشتهم البيان الوزاري في «الشعبوية» بدلاً من الالتفات إلى مضامينه وإن كانوا سيجدون أنفسهم أمام إحراج رئيسهم الرئيس نبيه بري الذي سيحاول خفض عدد طالبي الكلام وحصرهم ما أمكن بنائب أو نائبين عن كتلة نيابية، لأنه من غير الجائز أن يعطي الكلام لأكثر من 50 نائباً سجّلوا أنفسهم حتى الآن للإدلاء بدلوهم في مناقشة البيان الوزاري ما يمكن أن يُقحم المناقشات في «سوق عكاظ» على الطريقة اللبنانية. والنواب مع أول إطلال متلفزة لهم منذ وصولهم إلى «ساحة النجمة» سيضعون أنفسهم أمام اختبار مدى استعدادهم لأن يتحول البرلمان إلى خلية عمل دؤوب لملاقاة الحكومة لوضع المفاعيل الاقتصادية والاجتماعية لمؤتمر «سيدر» على سكة التطبيق، التي تتيح له أن ينتزع من المجتمع الدولي شهادة حسن سلوك تعيد لبنان إلى الخريطة الدولية. وهذه، لن تتأمّن ما لم تكن مقرونة بالتزام لبنان بسياسة النأي بالنفس، والتي يُفترض أن لا تقتصر على الحكومة بل يجب أن تنسحب على النواب المنتمين إلى كتل نيابية تشارك فيها. والمقصود بهذا الكلام أن المجتمع الدولي لن ينظر إلى الحكومة في تطبيقها لسياسة النأي بالنفس بأن الأمر يتعلق بالأعضاء فيها من دون النواب الذين قد يلجأون إلى خرق التزامها بالحياد في مواصلة شن الحملات السياسية والإعلامية ضد أطراف عربية مناوئة لمحور الممانعة، لأنه من غير الجائز التمييز على سبيل المثال لا الحصر بين وزير من «حزب الله» يلتزم النأي بالنفس وبين نائب من كتلته لا ينفك عن إقحام البلد في اشتباك مباشر مع عدد من الدول العربية. ومجرد التزام هؤلاء النواب بسياسة النأي بالنفس من دون أي اجتهاد يعني، من وجهة نظر المصادر الوزارية، أن لبنان لن ينأى بنفسه عن التعاون مع الدول العربية بدلاً من إقحامه في لعبة المحاور الإقليمية والدولية التي تدخله في إشكالات هو في غنى عنها. ولن يكون الرئيس الحريري بعيداً عن إتقان لعبة التوازن في داخل مجلس الوزراء وبالتالي سيكون بالمرصاد، بحسب المصادر، لكل من يحاول الجنوح بلبنان في اتجاه خروجه عن الحياد الذي سيقطع الطريق على إفادته من مؤتمر «سيدر»، وإلا لما كان مجلس الأمن استبق انعقاد جلسات الثقة في إطلاقه تحذير بعدم الالتفاف على سياسة النأي بالنفس.