تفاجأ اللبنانيون عند معرفة أن وزير الخارجية، ورئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل، يحتفظ باستقالات جاهزة لوزرائه في الحكومة اللبنانية الجديدة، وقعوا عليها سلفاً، بمقدوره استخدامها في حال تجاوزوا فترة السماح المعطاة لهم، وهي 100 يوم لتقديم خططهم لوزاراتهم، أو عند تقاعسهم عن أداء واجباتهم. تجاوز اللبنانيون الأمر، بصرف النظر إن كان السلوك دستورياً، أم يخالف القوانين، والهدف منه سيطرة شخص على استقلالية عمل الوزارات. فالأولوية في مكان آخر. وبعيداً عن الشكل فإن الرئيس سعد الحريري، قال كلاماً مشابهاً إثر تشكيل الحكومة، معلناً أنه آتٍ للعمل، ومن لا يريد أن يعمل من الوزراء، فهو لن يسكت، وكذلك رئيس الجمهورية. الوزراء يبدون، ظاهرياً على الأقل، تفهماً للهجة التهديد الموجهة إليهم، وكل منهم يسعى ليؤكد أن الوقت من ذهب. وهم مقتنعون أن «زمن المسكنات انتهى، وليس من يوم واحد بالإمكان تضييعه».


بصيص أمل يلوح في الأفق. ما يقارب نصف الوزارات تسلمتها وجوه جديدة، أربع نساء شابات يدخلن معاً بلاط السلطة التنفيذية في سابقة مفرحة. وزيرة للداخلية امرأة، للمرة الأولى في العالم العربي، في بلد بقي طويلاً يقصي النساء عن عالم السياسة. وزير نشيط للبيئة يؤكد أنه سيتعاون مع المجتمع المدني ويصغي إليه ويأخذ بآرائه. ثمة أحزاب تختلف وتتقاذف التهم، لكنها حين تتنافس فإنما على كشف بؤر الفساد، ومخالفات، حان وقت دفنها. يخيل إليك أن لبنان ولد فجأة من رحم هذه الحكومة السحرية. علما بأن الممسكين بخيوط اللعبة لم يتغيروا. المسؤولون عن الديون الضخمة لم يتبدلوا. الذين أهدروا ثمانين مليار دولار بين استدانة وفوائد وسوء إدارة، بهدف بناء بنية تحتية لم تبصر النور، هم أنفسهم الذين سيتسلمون إدارة 11 مليار دولار جديدة يفترض أن تحط في بلاد الأرز بفضل مؤتمر «سيدر»، ومرة أخرى للهدف القديم نفسه «البنية التحتية» التي لا نعرف ما الذي سينجز منها.


حكومة تقول إنها تشمّر عن سواعدها، لكن المطلوب منها ليس بالقليل. والوزراء يعرفون أنهم أمام أرقام مخيفة وأوضاع سوريالية، والحلول يفترض أن تكون مجنّحة ومبتكرة، وإلا عادوا ووقعوا في فخ المكائد العقيمة.


كان مؤلماً قول وزير الدولة لشؤون التكنولوجيا عادل أفيوني، إن لبنان تنقصه المهارات. والحقيقة أن البلد يصدرها، فمنذ عام 1992 هاجر أكثر من نصف مليون لبناني. هؤلاء بينهم زبدة المتعلمين ونخبتهم.


العام الفائت وحده نزف لبنان 33 ألف مواطن. في العام الذي اندلعت فيه الثورة السورية ترك لبنان ما يقارب 77 ألف مواطن إلى ديار الاغتراب، خوفاً من المجهول، ويقال إن الأعداد تفوق ذلك. صارت البلاد أرض العجائز والتنابل والعاطلين الذين يتسولون عملاً فلا يجدونه.


لبنان على حافة هاوية، هذا صحيح، لكن مواطنين لا يزيد عددهم على أربعة ملايين، على مساحة صغيرة، تشبه أقل من ولاية متواضعة في بلد كبير، ليس من العسير إنارته، وتدبر نفاياته، وتشغيل كفاءاته، إن حسنت النيات. والسؤال ليس كيف ينهض لبنان؟ بل أي مانع يحول دون نهوضه؟ لماذا 60 في المائة من المدخرات الموجودة في البنوك تعود إلى 2 في المائة من السكان؟ من أباح لهؤلاء الاستيلاء على أموال الناس؟ ثمة تقديرات ترى أن 500 عائلة في لبنان فقط، تستحوذ على ثلث ثروة البلاد، بلا رحمة أو حساب. صار أصغر مواطن يعرف من هي الشركات الأربع أو الخمس التي تحتكر المناقصات الكبيرة، وتخصص بالعوائد الفائضة، وتترك خلفها أعمالها الكرتونية التي تنهار عند أول موسم أمطار. هنا جسر متصدع، وهناك جبل ينهار على المارة، وأوتوسترادات مليئة بالحفر، لا إنارة فيها ولا إشارة. المسافات بين المدن صارت أطول، وصار الانتقال عسيرا، والمواطن يخشى العاصفة مع أنها من معتاد فصل الشتاء. أين ذهبت 6 مليارات دولار يفترض أنها خصصت للطرقات؟


ليس هذا وقت إعادة التذكير بما يعرفه الجميع. لكن المخاوف، رغم كل التصريحات المفرحة، والوعود المشجعة، تراوح مكانها.


ما يحتاجه لبنان من الممسكين بالقرار، والقابضين على الوزارات من عل، أن يصدقوهم هذه المرة، أن يعيدوا إليهم الثقة. أن تأتي إصلاحات تعزز المساواة بين الناس، ولا تزيد الفجوة. ألا يقال للشباب إن التوظيف متوقف، فإذا بخمسة آلاف من المحاسيب يدخلون جنة الدولة، ويبقى خارجها أولئك الذين مروا بالسبل القانونية وتقدموا لامتحانات مجلس الخدمة المدنية ونجحوا ومنهم من تفوقوا، وبقوا واقفين على الأبواب. هذه المسالك لا تعزز الثقة، ولا تبني دولة.


الوزراء ليسوا وحدهم تحت مجهر من اختاروهم. الحكومة كلها، والأقطاب السياسيون موضع رصد دقيق من الناس. ثلث اللبنانيين باتوا من الفقراء دون مبرر. هؤلاء على بساطتهم، يعرفون أن الأموال موجودة، وأن الإمكانات كبيرة، وأن الهدر فاق قدرتهم على التحمل. المحك عند اعتماد الإصلاحات، أن يبدأ التقشف من أعلى الهرم، لا بسحب المزيد من جيوب المحتاجين بالضرائب تارة، والتحايل بقوانين مجحفة تارة أخرى. سد العجز لا يمكن أن يكون إلا ممن تراكمت ثرواتهم حتى يكادوا يختنقون بها، وهؤلاء معروفون وإليهم يجب أن يشار ببنان الحكومة الجديدة.