النقاش الحقيقي الدائر في البلد، هو غير المتعلّق بملف تشكيل الحكومة. صحيح أن ضرورة الإسراع في التشكيل، ربطاً بالوضع الاقتصادي ومؤتمر سيدر، وحرص العهد على نفسه، كلها عوامل ضاغطة تهدف إلى إنجاز الحكومة.. لكن الحقيقة في مكان آخر. ما يدور في الكواليس، وبدأ يتسرّب البعض منه إلى العلن، هو الأساس الذي كان يعرقل عملية التشكيل منذ أشهر، وهو يأخذ طابعاً محلياً بحتاً، لا يتعلّق فقط بالصراع على الحصص والصلاحيات والنفوذ، او على الثلث المعطّل ومعارضة بعض القوى لحصول التيار الوطني الحرّ عليه.

الرهان الأميركي

منذ أشهر، تصل رسائل غربية ضاغطة، في اتجاهات متعددة، هي التي تلجم ولادة الحكومة. الرسالة الأساس كانت أميركية قبل أشهر، وتحديداً يوم كان هناك موجة تفاؤل جدية بولادة الحكومة، بعد الإتفاق على توزيع الحصص. تركزت الرسالة الأميركية على مسألة تولي حزب الله لوزارة الصحة. الأمر الذي عاد وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية، ديفيد هيل، إلى إثارته، خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان. أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله كان واضحاً في هذا الأمر، إذ وضع لقاءات هيل في سياق الرهان الأميركي على التفريق بين الحزب ورئيس الجمهورية والتيار الوطني الحرّ. يعلم نصر الله أن هناك إرادة أميركية جدية لتحقيق ذلك، في إطار لعبة شد الحبال مع إيران وحلفائها.

هذا الكلام، هو الحقيقي عما يجري التداول به في الكواليس. وانعكس مؤخراً في مداولات وتفاصيل اجتماع المجلس الأعلى للدفاع، والعناوين التي ركّز البعض على إثارتها، وهي تغيير عقيدة الجيش، أو تهميش دور المقاومة، في مسألة ترسيم الحدود، أو حتى في حصر مسألة حقّ الردّ بالجيش، من دون ذكر المقاومة.

حسب المطّلعين، هم يعتبرون أن هذا الكلام ليس تفصيلاً. وما خرج للعلن يمثّل جزءاً بسيطاً من حقيقة المشكلة، المندرجة في سياق حملة مبرمجة، لتحقيق هذا الشرخ والشقاق بين الحزب والتيار الوطني الحرّ. يستخدم بعض المطلعين مصطلح "التلاعب" الأميركي على الرئيس سعد الحريري والوزير جبران باسيل. وهذا ما يدفعهما إلى اتخاذ مواقف متناقضة بين فترة وأخرى، من دون أن يعني ذلك خروج الأول عن مبدأ ربط النزاع مع حزب الله، والثاني عن التحالف معه. فيضطران إلى اتخاذ مواقف تراعي الحزب تارة، وتستجيب للضغوط الأميركية والدولية تارة أخرى.

لا اعتكاف ولا انقلاب

فتح سجال مداولات المجلس الأعلى للدفاع، من شأنه أن ينقل النقاش في البلد إلى مكان آخر. وقد يوحي بأن ثمة أزمات متلاحقة قد تطرق الباب، خصوصاً أن البعض يستنتج بأن التعطيل ليس إيرانياً فقط، بل هو أميركي أيضاً. وهو جزء من المنازعة بين الطرفين، على الرغم من أساسية الخلافات الداخلية أيضاً. وهذا قد يؤدي إلى متغيرات متعددة في السياسة، تشبه حالة التوترات التي سادت بين التيار الوطني الحرّ وحزب الله قبل فترة قصيرة. لكن نصر الله استبق الأمر، بالتأكيد على العلاقة الممتازة مع رئيس الجمهورية، والثقة بوزير الخارجية. ولم تكن إشارته إلى وثائق ويكيليكس تفصيلاً. استحضاره لها، يتضمن رسالة إلى باسيل بأن الرهان عليه والعلاقة معه مبنية على تلك الوثائق، فلا يمكنه الاتجاه نحو تغيير مضمونها حالياً، أياً تكن الحسابات لديه.

تحت كل هذا السقف، اللعب اللبناني متاح. وفي الوقت الذي يتلقى فيه الحريري رسائل ضاغطة من حلفاء حزب الله، فحواها استعدادهم للإنقلاب عليه، يتلقى بالمقابل رسائل طمأنة من نصر الله حول التمسك به لرئاسة الحكومة. وهذا وحده يكفي إلى الاستخلاص بأن لا اعتكاف ولا انقلاب، يتم تحضيره وفق ما يشاع حالياً.. بل وعلى العكس من الإشارات التي تحاول أوساط الحريري بثّها حول استعداده للإعتذار. وهي إشارات تندرج فقط في إطار استدراج العروض، أو محاولة رمي طعم لتسهيل ولادة الحكومة.

لقاءات باريس

وحسب المعلومات المتوفرة، لم تصل كل اللقاءات التي عقدت في باريس، إلى تذليل العقبات أمام ولادة الحكومة. بالنسبة للقاء الحريري مع باسيل، فلم يصل إلى أي صيغة جديدة، قادرة على إخراج الحكومة من مأزقها. باسيل متمسك بالثلث المعطل، الحريري لا يعارض، ولكن قوى أخرى لا تزال تعارض ذلك، وتشترط أن يكون التنازل من حساب هذا الثلث. أما لقاء الحريري مع جعجع، فتؤكد مصادر متابعة أنه لم يصل إلى أي مكان، ولم يستطع الحريري إقناع جعجع بالتخلي عن أي من الحقائب التي منحت للقوات. دخل الحريري في مسعاه مع جعجع بعد اصطدامه بتمسك الاشتراكي بوزارة الصناعة، خصوصاً أن جنبلاط اعتبر أنه قدّم الكثير من التنازلات، وليس مستعداً لتقديم المزيد، لاسيما أنه لا يمكن الجزم بولادة الحكومة حتى ولو تنازل.

في أثناء المفاوضات بين الحريري وجنبلاط، طلب الحريري تنازل رئيس التقدمي الاشتركي عن وزارة الصناعة، لكن الأخير طالب بالتعويض عنها إما بوزارة الزراعة أو العمل، والحريري أبلغه أن برّي غير مستعد للتنازل. وكذلك لم ينجح أيضاً في إقناع القوات بالتنازل. ما يعني أن الأبواب لا تزال مقفلة. وأكثر من ذلك، تشير بعض المعطيات إلى أن بعض التحركات الدولية التي ضغطت على بعض الأفرقاء اللبنانيين، في الفترة الأخيرة، لم تصل إلى أي مكان بسبب تعنّت البعض، ما يعني استمرار الأزمة الحكومية واتخاذها شكلاً آخر يتعلّق بسياسة لبنان الخارجية وموقعه، في مقابل ضغط النظام السوري. هذه الحسابات المتضاربة حول الثلث والحصص، أدت إلى توتر في العلاقة سابقاً بين التيار الوطني الحرّ وحزب الله. وفيما يصّر كلا الطرفين على نقل العقدة إلى ملعب الحريري، وبالتوازي مع ضغط النظام السوري من ناحية، وانتقال النقاش حول ترسيم الحدود ودور الجيش من ناحية ثانية.. فهذه كلها قد تتخذ كذرائع للضغط على الحريري أكثر، أو حتى لإعادة التلويح بالإنقلاب عليه، وإزاحته إذا لم يخضع للشروط.