تأخرت في قراءة رواية واسيني الأعرج عن مي زيادة؛ لأنني كنت أعتقد أنني قرأت كل شيء كُتب عنها في العقود الخمسة الماضية. وحياة مي كانت أهم بكثير من نتاجها الأدبي الذي لم يكن متميزاً حتى في إطاره الزمني. لكن الآنسة الفلسطينية - اللبنانية التي أمَّ صالونها في القاهرة كبار الأدباء والمشاهير، تحوَّلت إلى نوع من أسطورة معذبة. يهيم بها رجل في حجم العقاد، ويطرب لعذوبة صوتها طه حسين، ويراسلها من نيويورك جبران خليل جبران، ويدافع عنها في بيروت أمين الريحاني. ماذا بقي لواسيني الأعرج يروي؟ بقيت لعبة الرواية. يفعل الروائي الجزائري الكبير ما فعله أمين معلوف في «رحلة بالداسار». بالداسار يجول المتوسط وأوروبا بحثاً عن مخطوطة سحرية ضائعة، وواسيني يحمل مخيلته إلى بيروت والقاهرة، وحتى المكتبة الوطنية في مونتريال؛ بحثاً عن مخطوطة تركتها مي عن أيام سجنها القسري في مستشفى الأمراض العقلية المعروفة بـ«العصفورية». يستحضر واسيني أشخاصاً من دائرة مي في كل مكان. في بيروت وجونيه في لبنان، وحي شبرا في مصر، كي يتعرف منهم إلى مكان المخطوطة المفقودة. وفي الليلة التي يقرر سفره إلى القاهرة للحصول عليها لقاء مبلغ من المال، يضطر هو ورفيقته إلى تأجيل الرحلة. صباح اليوم التالي، يعرفان من الصحف أن الرحلة سقطت وقتل جميع ركابها. تزداد علاقة الراوي قرباً مع بطلته، وتفاؤلاً بالعثور على «ليالي العصفورية». 333 ليلة حزينة سوف يكتبها واسيني عن الآنسة مي، وباسمها. ولذلك؛ سوف نجد هنا مي مختلفة عنها في صالون القاهرة. فتاة تشعر بأحاسيس ذاتها ولا تخفيها. وصبية تعترف بمشاعر الأنثى. واضح أن مشروع واسيني هو الدفاع عن مي. إنه معها ضد أهلها، وضد أقربائها، وضد ضيوف الصالون الذين تخلّوا عنها. لقد عثر الروائي في حكاية مي على دراميات كثيرة تساعد سرده ولعبته الفنية، وخصوصاً مهمته في الدفاع عن المرأة المظلومة والمتروكة. الذين قرأوا الكثير عن مي زيادة سوف يعثرون على الأكثر في رواية واسيني الأعرج عنها (دار الآداب)، لكن بطلتهم لن تتغير عليهم كثيراً. العذوبة والغموض والغيرة والظلم والجريمة. لا شك أن مي عثرت أخيراً على مؤرخها.

 

سمير عطا الله