تتعاطى القوى اللبنانية على اختلاف توجّهاتِها، مع أحداث المنطقة، في وصفِها مفصليّة، ستعبُر بالإقليم من ضفّة إلى أخرى، لكنّها قد تحتاج إلى أشهر لتتبلور في شكل نهائي وتلبس صيغتها الأخيرة. وفي الإنتظار، يُفتَرَض أن تكون المرحلة الإنتقالية عابقةً بالتطورات الدراماتيكية التي قد تطيح بموازين فرضتها الأحداث منذ قيام ما سُمّي «الربيع العربي»، وها هي اليوم تستعدّ لتقلبَ المَشاهدَ رأساً على عقب، تكريساً للتحوّلات المرتقبة.
 

بهذا المعنى، هناك مَن يخشى من سقوط مظلّة «الحياد» عن «رأس» الساحة اللبنانية، على رغم تورّط «حزب الله» في الحرب السورية، لكنّ نيران المنطقة بقيت بعيدة نسبياً من الحدود اللبنانية. فيما يُخشى اليوم ذوبان هذه الحدود، في مشهد يشبه المشهد الذي شهده اللبنانيون عشيّة صوغ «اتفاق الطائف» الذي نقل لبنان من جمهوريته الأولى إلى الثانية.

التحدّي الأبرز هو احتمالُ عودة لبنان ساحة اشتباك إقليمية في سياق النزاع القائم خلف الحدود بين القوى الإقليمية، وتحديداً الولايات المتحدة وإيران، في ضوء الكلام العالي النبرة الذي حمله مساعدُ وزير الخارجية الأميركي ديفيد هيل إلى بيروت، والذي حاول «تحريض» حلفائه على الانضمام إلى قافلة التصعيد في وجه «محوَر الشرّ»، وتحديداً «فرعه» اللبناني «حزب الله».

كثيرون قرأوا في تحذيرات هيل، دعوةً مفتوحة للقوى الحليفة لبلاده إلى حجب ستار تحييد لبنان، للقفز إلى حلبة المواجهة المباشرة. الأهمُ هنا، هو ارتفاعُ منسوب الخشية من أن لا تُعفي تطوراتُ المنطقة الانقلابية، الساحة اللبنانية من شظاياها، خصوصاً أنّ هذه الحمم قد تحمل طابعاً سياسياً واقتصادياً، وربما أمنياً.

ولهذا لا يتردّد أحدُ اللصيقين بملف التأليف من القول صراحة، إنّ «طبخة البحص» التي يترقب اللبنانيون تعدادَ مقاديرها عبر المنابر وشاشات التلفزيون، ليست إلّا تجلّياً لحالة الهروب إلى الأمام التي تمارسها القوى السياسية، خوفاً من الآتي.

أكثر من ذلك، يقول أكثر من سياسي إنه سمع كلاماً تحذيرياً من مسؤولين عرب ممّا قد تحمله الأيامُ المقبلة من أحداث كبيرة في طور تكوين الصورة المستقبَلية للمنطقة، وقد لا تعفي لبنان من هذه الأثمان. ولذا لا بدّ من تحصين الساحة الداخلية إزاءَ هذه التحديات الصعبة.

وفق هؤلاء، تُحاذر هذه القوى الوقوف في الواجهة الأمامية. حسب هؤلاء، يمكن حكومة تصريف الأعمال أن تفي بالغرض وتسمح بالاختباء خلفها، كونها «شاهد ما شافش حاجة»، وبالتالي ستحمي الجميع من أيِّ مسؤولية مباشرة في حال حصول أيِّ تطوّر سلبي.

ولهذا يشهد اللبنانيون «مسرحية» تقاذف المسؤوليات بين طهاة الحكومة بحثاً عن إبرة في كومةِ قشِّ الخلافات التي لا تزال معالجاتُها على حالها، على رغم كل الأجواء الايجابية التي تتمّ إشاعتُها بين الحين والآخر.

وبناءً على هذه العوامل الخارجية، يشير هؤلاء اللصيقون بملفّ التأليف، طُرِح سيناريو تعويم حكومة تصريف الأعمال بعد إجراء تعديلات طفيفة على بعض الأسماء، وذلك من باب الهروب من «الفيتو» الأميركي الذي عاد وأطلّ برأسه، على إسناد حقيبة «الصحة» الى حزبيٍّ من «حزب الله». إلّا أنّ تيقّنَ رئيس الحكومة سعد الحريري من أنّ «حزب الله» مصرٌّ على الحصول على هذه الحقيبة، دفعه إلى رمي الطرح في سلّة المهملات.

لكنّ رفضَ رئيس الحكومة هذا السيناريو لا يعني أبداً أنّه مرتاح الى التطورات التي تحاول الأجندة الأميركية فرضَها. وفق المطلعين فإنّ الحريري عالقٌ بين عدم قدرته على مجاراة الجرف الأميركي لاعتبارات كثيرة، وبين صعوبة مواجهة هذا الجرف. فقد سقط جدارُ قوى 14 آذار وتفرّقت مكوّناته، وبات لكل منها أجندة مصالحه واعتباراته، وبالتالي أدوات المواجهة لم تعد صالحة أو موجودة أصلاً. أضف إلى تغيّر موازين القوى الداخلية التي تحول دون وقوف الحريري على حلبة المواجهة.

فرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط حسم خياراتِه منذ زمن، واعتزل «الدق» على «دفّ» 14 آذار، بفعل تغيّر موازين القوى، أضف إلى أنّ توريثَ زعامته إلى نجله تيمور يواجه كثيراً من العقبات والتحديات التي تحول دون قيامه برهاناتٍ كبيرة، لا ضمانات لها.

أما رئيس حزب «القوات» سمير جعجع فبات يشكو من «ظلم ذوي القربى» الذين يؤمّنون مصالحَهم، ولو على حساب «القوات». لا بل أكثر من ذلك، باتت «قضية» سلاح «حزب الله» موسمية في إطلالاته الإعلامية وخطابه، الى درجة قوله أخيراً إنّ «تأثير السلاح علينا قليل».

إلى جانب العوامل الخارجية، ثمّة عوامل داخلية لا تقلّ أهمية، وتزيد من حجم الألغام التي تجعل من مهمة التأليف، صعبة جداً، وتتصل بـ«الثلث المعطل». لا ضرورة لمَن يبلّغ إلى رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل أنّ مطالبته بأحدَ عشرَ وزيراً، هي موضعُ اعتراض أكثر من فريق، لأنه يعرف جيداً أنّ الحريري يمانع قبل غيره حصوله على «فيتو» تعطيلي.

يتصرف «حزب الله» وفق المطلعين على أنّه غيرُ معنيّ بالوقوف سدّاً منيعاً أمام حصول حليفه العوني على هذه الورقة «الفتّاكة» انطلاقاً من مقاربته الاستراتيجية للعلاقة، والتي تقول إنّ رئيس الجمهورية ميشال عون، ورئيس «التيار الوطني الحر» لن يعارضاه في أيِّ مسألة ذات بعد استراتيجي، كما أنّ حكومة الشغور الرئاسي هي حكومة 30 رئيساً وبالتالي كل وزير يساوي حكومةً في حدِّ ذاته.

إذاً لا خشية، بالنسبة الى «حزب الله»، من استخدام هذه الورقة في مسائل كبيرة. الخشية بالنسبة الى الجميع هي مِن استخدامها في ملفات داخلية. ولهذا يتساوى الحريري هنا، مع بقية الأطراف، في ممانعتهم تجييرَ هذا الثلث لمصلحة «التيار الوطني الحر».