يشبه الموقف الذي أطلقه وزير الدولة لشؤون اللاجئين، معين المرعبي، وتبرّؤ رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري منه، الموقف الذي اتخذه الوزير أشرف ريفي ذات يوم على خلفية قضية ميشال سماحة، ليعتبر الحريري فيما بعد أن كلام ريفي لا يمثّله. يومها تلقّى الحريري اتصالاً من السفير السعودي في بيروت آنذاك علي عواض العسيري، هنأه فيه على موقفه الشجاع وعلى استقالته من الحكومة. تلك الاستقالة التي كان قد اتفق عليها في اجتماع بباريس بين الحريري وريفي والوزير نهاد المشنوق وآخرين. مضى ريفي بالاستقالة فيما الآخرون تراجعوا عن قرارهم.

"نقزة" خليجية من باسيل
يومها نُظر إلى لبنان بأنه أسير حزب الله، واستدعى ذلك إجراءات خليجية تصعيدية، خصوصاً بعد قرار المحكمة العسكرية بإطلاق ميشال سماحة، المتهم بنقل متفجرات من سوريا، والتحضير لمخطط تفجيري، بأمر من النظام السوري، لاستهداف البطريرك الماروني بشارة الراعي، ومناطق في الشمال، لإتهام القوى المتطرفة في هذه التفجيرات. عاد الحريري وضغط على القضاء لحفظ ماء وجهه، الذي صحح قراره وأعاد حكم سماحة بالسجن لعدد من السنوات.

 اليوم، بالإضافة إلى النظرة الإقليمية والدولية للبنان، بأنه أسير لحزب الله، ولا يمكن السير بأي وجهة سياسية خارجية للدولة من دون موافقة حزب الله، ثمة من يحضر شريكاً أساسياً مضارباً في آن، في السيطرة على السياسة الخارجية للدولة اللبنانية، وهذا ما يتسبب بنقزة خليجية، جرى التحذير منها لأكثر من مرّة. يظهر التيار الوطني الحرّ، وتحديداً الوزير جبران باسيل، هو المقرر الأساسي في تحديد الأفق السياسي في البلاد، يفرض ما يريده في ملف اللاجئين والعلاقة مع سوريا مثلاً. يتحدث من دون حاجة إلى إجماع حكومي، أو قرار صادر عن مجلس الوزراء. يخوض مفاوضات لتشكيل الحكومة ويتمسك بالحصة التي يريدها، من دون ممانعة من الحريري.

تساهل وتنازل
ويوم أطلقت موسكو مبادرتها تجاه اللاجئين، كان الحريري يوافق عليها مسبقاً ويستعد لعقد لقاء في بيت الوسط، الأمر الذي سرعان ما تغيّر، فانتقلت الوفود إلى عقد الاجتماع في القصر الجمهوري، بدفع من باسيل، للتأكيد بأن هذا النوع من القرارات يتخذه رئيس الجمهورية. وهذا المسار يستمر في الأسباب الموجبة، التي يقدّمها باسيل، لحصوله على الثلث المعطّل، ويختصرها بأنها حق للتيار، لتعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية، واستعادة ما فقد منها. كل هذه المواقف تدفع بعض حلفاء الحريري إلى الاستغراب حول الأسباب التي تدفعه إلى التساهل، إلى هذا الحدّ بالتنازل عن صلاحياته والتسليم بكل ما يريده عون وباسيل. يختصر البعض ذلك بسبب بسيط وبديهي، بأن الحريري يعمل وفق مصلحته، ويريد رئاسة الحكومة، ولن يكون قادراً على الحفاظ عليها من دون هكذا خطوات، إلى جانب استمرار ربط النزاع مع حزب الله.

الموقف السعودي والأميركي
الموقف الذي حصل بين المرعبي الرافض لطروحات باسيل حول اللاجئين السوريين ومحاولة فرضها في القمّة الاقتصادية، واعتباره من خارج سياق جدول الأعمال، مقابل ردّ الحريري وإبلاغ باسيل بأن كلام المرعبي لا يمثّله، ليس تفصيلاً ولا يمكن الوقوف عند حدوده، إنما يجب ربطه بما هو أبعد من ذلك بكثير. أولاً يعني موقف الحريري أنه يسلّم لباسيل بالسياسة الخارجية، والتحكم بملف اللاجئين. مع الإشارة إلى أن طروحات باسيل في مداولات القمّة، أدت إلى سجال مع الوفد السعودي، الذي اعتبر أن القمة غير مخصصة لبحث ملف اللاجئين، وهذا ملف سياسي وليس إقتصادياً. لكن باسيل أصر على طروحاته، وأراد فرض عبارة العودة الفورية للاجئين من دون الحلّ السياسي، ليطالب الوفد السعودي بإدراج كلمة العودة الطوعية لهم، ما أدى إلى حصول خلاف وتأجيل البحث بهذا البند، للاتفاق على صيغة ملائمة فيما بعد.

أن يوافق الحريري على ما يقوله باسيل، يعني أنه يوافق على السجال بين باسيل والوفد السعودي. وهذا لا ينفصل أيضاً عن ما كان حصل في الأيام السابقة، منذ بروز الضغط الأميركي على بعض الأفرقاء اللبنانيين، لعدم التطبيع مع النظام السوري، ووقف المساعي العربية لإعادة العلاقات مع النظام، وإعادته إلى الجامعة العربية. تزامن هذا الضغط مع آخر حول وقف أي بحث دولي في عملية إعادة الإعمار، العملية التي يستعجلها الحريري وباسيل، للبحث عن سبل للدخول فيها والإستفادة منها. وثمة ضغط من نوع ثالث يتعلّق في عملية تشكيل الحكومة، والرسائل الأميركية الشديدة اللهجة لباسيل والحريري حول وجوب تشكيل حكومة بغير شروط حزب الله.

موقف حزب الله
يعلم الرجلان أنهما غير قادرين على تشكيل حكومة من دون موافقة الحزب أو رضاه. وهذا ما أخر تشكيل الحكومة إلى جانب شروط باسيل. ولوحت واشنطن بعقوبات قاسية قد تطال شخصيات قريبة من الرجلين، أو مؤسسات تابعة لهما، بحال لم يلتزما بهذه الثوابت. وهذا ما أدى إلى فشل كل المبادرات الحكومية. بعد زيارة الموفد الأميركي ديفيد هيل، تبلغ المسؤولون اللبنانيون جملة شروط تصعيدية تطال ملف الحكومة أيضاً، فحاول باسيل والحريري زيادة التنسيق بينهما، والتأكيد بأن تحالفهما قائم، ويجب البحث بصيغة جديدة لتشكيل الحكومة، قائمة على معايير مختلفة للتي وضعت، بشكل يتم الإلتفاف فيه على صورة الحكومة التي توصف بأنها ستكون حكومة حزب الله.

سارع حزب الله الى مواجهة كل هذه المساعي، على طريقته، ووصلت رسائل عديدة إلى الحريري بأن أي محاولة لتغيير قواعد اللعبة، سيكون البديل لرئاسة الحكومة جاهزاً. لعب الحزب على الوتر الذي يخافه الحريري، وقد تلوّع منه ذات مرّة، فسارع الأخير إلى تحديد موعد مطلوب مسبقاً للسفير الإيراني. من أجل إرسال إشارات تطمينية، لاقاها الإيرانيون برسالة إيجابية، حول التمسك بالحريري وبحكومة الوحدة الوطنية. كان ذلك يجري، مقابل عمل بعض الجهات على ضخ أخبار حول أن الحريري لم يعد صالحاً للمرحلة، بخاصة أنه لا يريد الانفتاح على النظام السوري.

بين دمشق والرياض
وجد الرجل نفسه بين منزلتين، إما فرض التطبيع مع دمشق عليه بشروط حزب الله، وهذا سينعكس عليه سلباً في علاقاته مع دول الخليج والولايات المتحدة، أو الاستمرار في السير وفق التوجهات السعودية الأميركية، وهذا سيرتد عليه من قبل حزب الله والنظام السوري. استشعر الحريري خطراً محدقاً، فحرّك مساعيه الديبلوماسية ولا سيما مع الفرنسيين، لأجل إيجاد مخرج للمأزق الذي وجد نفسه فيه. فتحرك السفير الفرنسي في بيروت. وحسب المعلومات، فقد عقد أكثر من لقاء مع السفير الإيراني قبل لقاء الأخير مع الحريري. وللسبب عينه، ألغى الحريري سفره إلى مؤتمر دافوس، وقرر البقاء في لبنان، تحسباً لأي تطورات قد تحدث، وبحثاً عن إيجاد مخرج للمعضلة القائمة.