لم يشذّ «لقاء بكركي» الماروني عن القاعدة. حتّى في مشهد التقاء قيادات الطائفة حُمِّل الوزير جبران باسيل مسؤولية «التحريض» على الدعوة اليه ووضع جدول أعماله والدفع في اتجاه صدور بيان داعم لسياسات العهد، ومن بين السطور، «البَصم» على كل ما يُنجزه باسيل في معركة الصلاحيات. في كل ما يفعله يُحمّل الرجل «أوزاناً ثقيلة»: في تركيب التحالفات، وتأليف الحكومات، وبصفته «ولي العهد»، و»الاستيلاء» على «الثلث المعطل» والتحضير لمعركة رئاسية باكراً جداً..
 

حَمَلت كلمة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الافتتاحية ما رأى كثيرون أنّه «جدول أعمال باسيلي» للّقاء، حيث حضرت مفردة «الثلث المعطل»، للمرّة الأولى في تاريخ لقاءات الصرح البطريركي على مستوى القادة، و»الائتلاف الحكومي وارتباطه بقانون الانتخابات»، مَكمن «العطب» الحالي في توليد الحكومة، مع إقتباس أمين لما سبق لرئيس الجمهورية ميشال عون شخصياً أن حذّر منه عن «دخول أعراف وممارسات مخالفة لـ«اتفاق الطائف» والدستور»...

أصابع الاتهام التي وجّهت الى باسيل والغبار الكثيف الذي أحاط بظروف الدعوة الى «اللقاء التشاوري» الماروني قوبلا بخطة دفاع على مستويين: كلمة باسيل داخل اللقاء، واستنفار الإعلام البرتقالي لإعادة التذكير بما أنجزه عون وفريقه السياسي حتى الآن للمسيحيين، في موازاة فتح مواجهة مباشرة مع زعيم تيار «المردة» سليمان فرنجية الذي «يُحارب، في رأيهم، مشروع استعادة المسيحيين لحقوقهم بالزند الشيعي»، واستُكملت بـ «تويت» عالي اللهجة لباسيل تحدث فيه عن «طعن ضهر وخواصر، مش بس فينا، بالعالم وحقوقهم»!

لكن في موازاة «لقاء بكركي» الذي تمخّض بياناً بدا كـ «المياه الفاترة»، بعد النقاش العاصف حول الحكومة و«ثلثها الضامن»، و«لجنة المتابعة» التي تحتاج الى «متابعة» لالتئامها مجدداً، يقول باسيل أنّه «بغض النظر عن التحضيرات للقمة الاقتصادية العربية في بيروت والإشكالات التي رافقتها، فإنّ الاتصالات في شأن الحكومة لم تتوقف، فنحن مصرّون على ولادة الحكومة وهناك مقترحات لدى الحريري، على أن نبقى محافظين على حقنا في التمثيل ونجد حلاً يساهم فيه الجميع»، مؤكّداً أنّ التأليف على «همّة رئيس الحكومة المكلّف وأنا أساعده». 

أما بالنسبة الى «حزب الله»، يضيف باسيل، «فهو يطالب للفريق السنّي المعارض بأن يتمثل، وهمّ أصحاب حق. هناك مشكلة في الشكل كان يُفترض أن يعالجوها ولم يفعلوا»، مؤكّداً أنّه «يتمّ العمل على حلّ، لكن شرط أن يتمثل أحد النواب السنّة الستة لن يتحقق أبداً»، جازماً «نحن نفتش عن جواد عدرا آخر. لقد حصل اتفاق والتزمنا به، وليس نحن من دعا الى مؤتمر صحافي وأعلن سحب إسم جواد عدرا». 

لكن أحد ألغام الحكومة حضر بقوة في كلمة باسيل في بكركي. ينفي باسيل التهمة الأولى «ليس لي علاقة بالدعوة لا من قريب أو بعيد، ولم أكن أرغب بالحضور أصلاً، وقد كنت حريصاً على ان لا تعقد بكركي اجتماعات فولكلورية، وكان من الطبيعي أن أسأل ما النتيجة التي يريد المجتمعون الوصول اليها، مع محاذرة إبراز وجود خلاف مسيحي». 

وحين ظهرت النية بتوسيع «اللقاء»، رأى باسيل أن لا جدوى من الحضور. لكن إصرار بكركي دفعه الى المشاركة، خصوصاً انّ رسالة واضحة وصلت من الصرح مفادها: «إذا لم يحضر باسيل لن يحصل الاجتماع». وقد إضطر المنظمون الى الانتظار 24 ساعة لإعطاء باسيل موافقته النهائية على الحضور. 

وبناءً على توصيات الراعي، أرسل باسيل أفكاراً للنقاش لم تتضمّن، بتأكيده، بند «الثلث المعطل». أما داخل الصالون المُغلق، فتوجّه باسيل الى الحضور قائلاً: «هل طلبت من أحد دعمي في هذا الموضوع؟ هل يا سيَدنا فاتحتك في الموضوع؟»، فردّ البطريرك سلباً. 

وتابع باسيل كلامه قائلاً: «قلنا دوماً، ليس هدفنا «الثلث الضامن»، بل حصلنا عليه نتيجة الانتخابات. وبمعزل عن «إتفاق الطائف» الذي أقرّ للمسيحيين، وفق محاضره، الثلث الضامن تعويضاً عن الصلاحيات التي أُخذت منهم، وهو الأمر الذي سوّقت له «الكتائب» و»القوات» من ضمن حسنات «إتفاق الطائف» آنذاك، فإن فريقنا لم يستعمل هذا الحق في حكومة عون الأولى. لكن في هذه الحكومة تبيّن أن حجم كتلتنا مع حصّة رئيس الجمهورية تعطينا 11 أو 12 وزيراً، إضافة الى أنّ فكرة الرئيس الميثاقي الاساسية هي أن نضيف الى صلاحياته قوة الكتلة التي تخصّه، وهذا تماماً الفارق بين عون من جهة وميشال سليمان والياس الهراوي وغيرهما من جهة أخرى». 

وأضاف باسيل: «نحن لن نتنازل عن حصّتنا ولا عون سيتنازل. حصّة رئيس الجمهورية بعد «الطائف» تُرجمت، وفي كل الحكومات، من خلال 4 او 5 وزراء. نحن حصّتنا اليوم 6 او 7 وزراء، لذلك كيفما رست الأمور فإنّ حصّة كتلتنا 11 او 12 وزيراً»، حاملاً على من يحوّل «المشكل السنّي-السنّي أو السنّي - الشيعي الى مشكلة معنا، فنحن غير معنيين به»، موجّها كلامه مباشرة الى فرنجية «الذي يحمّلنا مسؤولية التعطيل والفجع ويدعونا الى التنازل عمّا هو حق لنا».

تماهي موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري مع فرنجية في تقديم «وصفة» الحلّ الحكومي بتوزير «اللقاء التشاوري» من حصّة رئيس الجمهورية، يدفع باسيل الى إعادة تأكيد «الثوابت»: «الشيعة يتسلّحون بالميثاقية ورئيس الحكومة لديه صلاحياته المعروفة، فلماذا نحرم المسيحيين حقاً هو مكسب لهم».
وحين يُسأل باسيل عن الضمان في تكريس هذه الحقوق للمسيحيين في كل العهود يقول: «حين طالب الفريق الشيعي بوزارة المال ألم يتكرّس هذا الواقع اليوم؟ وبمعزل عن هذه المقاربة هل تكريس «الثلث الضامن» يأخذ من درب «القوات» أو فرنجية. نحن لا نأخذ منهم، بل نعطيهم. إذا كانوا يرفضون المشاركة في المعركة، أقلّه عليهم أن لا يحاربوننا». 

في مجالسه يفرز باسيل القوى السياسية بين صنفين: هناك فريق دأب منذ عام 1990 على التنازل حتى وصلنا الى حكومة 2005، التي عاد فيها المسيحيون الى السلطة، وكان لديهم 3 وزراء فقط. نحن عملنا بكد منذ 2005 الى اليوم حتى أصبح للمسيحيين 15 وزيراً. «هناك ناس جابونا من فوق لتحت ونحن جبنا العالم من تحت لفوق»! 

وأضاف باسيل: «القوات» يحق لها 3 وزراء مسيحيين فقط. أتى الحريري وقال لنا أنكم تطالبون بأربعة. قلنا لا مانع طالما لا تأخذ من حصّتنا بل من حصّتهم. وفي النهاية ما نحصّله هو لنا جميعاً، لكن لماذا «تقشيط بعضنا». 
وقد صارح باسيل في لقاء بكركي الحاضرين بهذه الوقائع، متوجّهاً الى ممثلي «القوات» و»الكتائب» وصولاً حتى الى النائب ميشال معوض قائلاً لهم:

«أنظروا الى كتلكم. أين كنتم في 2005 و2009 وأين أصبحتم؟ هذه نتيجة تحققت، لكن أقلّه لا تقاتلوننا». 

وتطرّق باسيل الى الربط القائم بين إستحقاق رئاسة الجمهورية وتأليف الحكومة و»الثلث الضامن»، وسأل عن الترابط بينهما، طالباً الجواب عن هذا السؤال»، فردّ الراعي ممازحاً: «ما في حدن بيقدر يقلّك، هيدي بدها جلسة لوحدها».