هل «وصفة» الرئيس القوي تنفع في تحقيق الاستقرار والازدهار المفقودين في لبنان؟ 

المسألة لا تعني الرئيس ميشال عون فقط ، والتجربة لا تقتصر على عهده وحده، بل تشمل كل العهود الرئاسية منذ فجر الاستقلال، حيث كان عهد الرئيس بشارة الخوري، بطل الاستقلال، في فترته الأولى واعداً، ثم سرعان ما تحوّل إلى كابوس في حياة اللبنانيين، بعدما سقط العهد وفريقه في مستنقعات الفساد، وأصبح شقيق رئيس الجمهورية، «السلطان» سليم رمز الممارسات الفاسدة، المالية والسياسية، والتي بلغت ذروتها في تزوير انتخابات ١٩٤٧ النيابية، وما تلاها من استفراد في السلطة ومن إمعان في الفساد، فكان أن أُجبِر «بطل الاستقلال» والرئيس «القوي» على الاستقالة بعد الثورة البيضاء عام ١٩٥٢!

تولى «فتى العروبة الأغرّ» الرئيس كميل شمعون الرئاسة وسط إجماع سياسي ووطني، وما أن بدأت ثمار عهده تظهر ازدهاراً وبحبوحة، حتى داهمته عاصفة حلف بغداد، التي ضربت الإجماع الداخلي حول «الرئيس القوي»، وعملت تقسيماً لصفوف اللبنانيين بين مؤيد لسياسة شمعون ومعارض لها، فكان تزوير نتائج انتخابات أيار ١٩٥٧، بمثابة الشرارة التي أشعلت لاحقاً «ثورة ١٩٥٨»، وانتهى عهد «الرئيس القوي»، وهو يشارك شخصياً في إطلاق النار على معارضيه من سطح القصر الجمهوري في محلة القنطاري!

وصول الرئيس فؤاد شهاب إلى سدّة الرئاسة من قيادة الجيش، وتفاهمه المبكر مع الرئيس جمال عبدالناصر، أشاعا حوله هالة من الهيبة والتقدير، أعادت للرئاسة الأولى بعض ما فقدته في نهاية عهدي بشارة الخوري وكميل شمعون، وأتاحت للرئيس الذي كره التعامل مع السياسيين، الذين وصفهم يوماً بـ «أكلة الجبنة»، فرصة تحقيق العديد من الإنجازات التي وضعت قواعد بناء دولة المؤسسات، من خلال إنشاء البنك المركزي، مثلاً، وهيئة التفتيش المركزي ومجلس الخدمة المدنية وصندوق الضمان الاجتماعي، وغيرها كثير. ولكن «الرئيس القوي»، لم يستطع التغلب على الطبقة السياسية، التي أحرجته في موضوع التجديد، وأخرجته من الرئاسة الأولى، قبل أن تتمكن من إبعاد «ملائكته» عن مراكز القرار، حيث كان رجاله في المكتب الثاني، يتحكمون بمفاصل اللعبة السياسية طوال عهده، وحتى السنوات الأولى من عهد خليفته الذي لم يلتزم بالنهج الشهابي في أواخر ولايته.

 لا يعتبر الرئيس شارل حلو من صنف «الرؤساء الأقوياء»، بل كان لا يهضم مثل هذه التسميات، وهو الذي كان يعتز بثقافته الفرانكوفونية، و يعتبر نفسه من تلاميذ فيلسوف الصيغة اللبنانية ميشال شيحا، ويقيم علاقات واسعة مع القيادات الإسلامية في البلد. لذلك حرص على معالجة أكثر الأزمات تعقيداً، وأشدهاً سخونة وخطورة على البلد بعقل بارد، يغلب عليه طابع التحاور والديبلوماسية، بحثاً عن حلول وسطية تجنب لبنان الاقتراب من لحظة الانفجار المدمر. بهذا المفهوم دافع حلو عن موافقته على اتفاق القاهرة، الذي تم توقيعه تحت ضغط أزمة حكم مفتوحة على أسوأ الاحتمالات، وكان همّ «الرئيس المثقف» هو إنهاء عهده قبل اشتعال نيران الحرب الداخلية التي كان هاجسها لا يفارقه في الأيام الأخيرة من عهده!

مظاهر «الرئيس القوي» لم تفارق الرئيس سليمان فرنجية منذ جلسة الانتخابات الرئاسية في مجلس النواب، حيث كان أنصاره يتواجدون بسلاحهم في ساحة النجمة، وهددوا باقتحام مجلس النواب في حال تقرر إعادة العملية الانتخابية ولم يُعلن فوز نائب زغرتا بفارق الصوت الواحد، على منافسه وخليفته فيما بعد الرئيس الياس سركيس. لم يتأخر الرئيس فرنجية عن استخدام كل وسائل القوة، السياسية والعسكرية، سواء ضد خصومه السياسيين، أم ضد الفلسطينيين، بما في ذلك استعمال الطيران الحربي اللبناني لقصف المخيمات الفلسطينية في بيروت. وسار البلد في عهده بخطى سريعة نحو الحرب الداخلية التي اندلعت شرارتها الأولى في ١٣ نيسان ١٩٧٥. وكان أن أنهى «الرئيس القوي» ولايته في المقر الرئاسي المؤقت في بلدة الكفور، بعد تعرض قصر بعبدا للقصف المدفعي أكثر من مرة.

لم تساعد ظروف الحرب القاسية الرئيس الياس سركيس في إظهار قدراته الرفيعة، وخبرته الطويلة في إدارة شؤون الدولة، وهو الذي كان إلى يمين الرئيس فؤاد شهاب، فاكتفى بإدارة الأزمة الملتهبة في البلد، بعد فشل كل محاولات إنهاء الحرب البغيضة في عهده، فكان أن مهد الطريق لوصول قائد القوات اللبنانية بشير الجميل إلى قصر بعبدا.

سارع الرئيس بشير الجميل إلى إظهار كل العزم والقوة لإعادة بناء الدولة بأسرع ما يمكن، ولكن قدره كان أسرع، حيث تم اغتياله قبل أيام من تسلمه صلاحياته الدستورية.

ذهبت كل جهود «الرئيس القوي» أمين الجميل لإنهاء الحرب أدراج الرياح الإقليمية والدولية المتصارعة على الساحة اللبنانية، ولم تفلح مؤتمرات الحوار التي عُقدت في عهده، في لبنان وفي جنيف ولوزان، في التوصل إلى الصيغة السحرية لوقف النار والدمار، لأن الوقت لم يكن قد حان بعد لإطفاء النار اللبنانية. فكان أن انتهت ولايته وبقي كرسي الرئاسة في بعبدا شاغراً!

الرئيس إلياس الهراوي لم يستسغ ألقاب القوّة، لأن حنكته وتجربته السياسية كانت سلاحه الأقوى مع السياسيين في الداخل، ومع حلفائه في الخارج، فاستطاع أن يحقق في عهده الذي أنهى آخر مظاهر الحرب في قصر بعبدا، ما عجزت العهود التي تلته عن تحقيقه، خاصة في ورشة إعادة الإعمار . كما استطاع أن يُسجّل أول تمديد لنصف ولاية في تاريخ الجمهورية!

 أما الرئيس أميل لحود فكان مفتوناً بكل مظاهر القوة والبأس، بحكم تربيته المنزلية أولاً، ثم العسكرية. ولكن الإفراط في اللجوء إلى مظاهر القوة أعطى نتائج عكسية عليه شخصياً، وعلى عهده الأساسي والممدد له، بل وعلى البلد بأسره، حيث تم تعطيل مفاعيل مؤتمرات باريس، وعرقلة مشاريع الإعمار والإنماء، وكانت عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري الطامة الكبرى على ما بقي من ولايته، حيث سادت الانقسامات وتمت مقاطعة بعبدا من قوى ١٤ آذار، وكان أن خرج من قصر بعبدا من دون أن يعرف مَن سيكون خلفه، ومن دون مشاركة أي حضور سياسي في وداعه.

حاول الرئيس ميشال سليمان أن يستعيد تجربة فؤاد شهاب في إدارة شؤون الدولة، ودعم دور المؤسسات، ولكن الانقسامات الداخلية، وتشعباتها الخارجية كانت أقوى من رغبته في إيصال البلاد والعباد إلى شاطئ الأمان والاستقرار. فكان أن قام بحركة التفافية على واقع الانقسام المرير، فدعا إلى جلسات الحوار، ونجح في جمع الأطراف المتخاصمة على طاولة واحدة، وفي لحظة لها تاريخها المميز، استطاع الحصول على موافقة وتواقيع الجميع على «إعلان بعبدا»، بمن فيهم حزب الله، الذي ينص على تحييد لبنان عن الصراعات ومحاور التحالفات، والعمل على صيغة لسياسة دفاعية تكون الإمرة فيها لقيادة الجيش.

منذ الساعات الأولى لوصوله إلى قصر بعبدا، رفع فريق الرئيس ميشال عون شعار «الرئيس القوي» الذي طالما رددوه إبان مرحلة الترشح، وفي مختلف الحملات السياسية والانتخابية.

توقع اللبنانيون سلسلة سريعة من الإنجازات في «العهد القوي»، ولكن التعثرات بدأت منذ الأشهر الأولى حيث تأخر إقرار قانون الانتخابات، وتمّ التمديد لمجلس النواب للمرّة الثالثة رغم أن الرئيس وتياره لم يعترفوا بشرعية التمديدين السابقين. وجاءت النسبية في قانون الانتخابات عرجاء، وتفوح منها روائح الطائفية النتنة. ثم كان إقرار سلسلة الرواتب تحت ضغط المزايدات الانتخابية، فأوصلت الخزينة إلى حافة الإفلاس بسبب الخلل الحاصل بين الواردات والمصروفات. وازدادت شكاوى الناس من البطالة والكساد الاقتصادي في ظل سرطان الفساد المستشري في مختلف إدارات الدولة، وبقي الكلام عن الإصلاح مجرد شعارات لا وجود لها على أرض الواقع.

وأدى التعثر الحالي في تأليف «حكومة العهد الأولى»، بعد سنتين وبضعة أشهر من عمر الولاية الرئاسية، إلى اهتزاز صورة «العهد القوي»، فضلاً عن اتساع رقعة الخلافات مع الحلفاء، والتي وصلت إلى السجالات العلنية بين الرئاستين الأولى والثانية، حول القمة الاقتصادية، التي تنعقد في وقت أحوج ما يكون فيه لبنان إلى التماسك الداخلي، والحفاظ على مظاهر «العهد القوي»، ولو شكلاً، وعلى عيون الضيوف من القيادات العربية المشاركة في القمة. وهكذا لم يعد التساؤل عن مدى نفع «وصفة الرئيس القوي» يحتاج إلى جواب، ولا إلى أي اجتهاد!!