أمام قيادتين مسيحيتين متفرعتين من بشير الجميل، احداهما في الكتائب ، والثانية على رأس القوات، تعيد التجربة البشيرية التبشيرية انتاج نفسها وفق معطى ماروني يحايث الدور الطليعي للمسيحية اللبنانية من أزمة المصادرة للصلاحيات في بنية السلطة ،ومن بوابة انتخابية مقفلة على الهويات الكبرى ،وجاعلة من الهويات الصغيرة مجرد سمات مستلحقة بالهويتين السنية والشيعية. في الحفل الكتائبي لكادرات الحزب، استعاد سامي جميل صورة عمه بشير، وان من خاصية مختلفة، وظروف متباعدة جعلت من الأول رمزاً لمسيحية مهتجسة من سلطة مؤقتة، ومتأسسة على مقاومة مسيحية بلغت ذروة التعصب السياسي والعسكري، فدخلت حمامات الدم ومن أبوابها الواسعة ،وحملت الصليب اللبناني ومشت مشيعة للمسيح السياسي بعد أن نزف جسده في حروب داخلية طاحنة .وجعلت من الثاني وريثاً لخسارة صليبية وبشقيها الكتائبي والقواتي بعد أن سقط المشروع الماروني، وتحولت الطائفة من طائفة حاكمة الى طائفة محكومة بعد أن ضيَعتها سياسات نخبها الحزبية المجنونة. جاء سامي الجميل من التطرف الى الاعتدال، ومن وهن الطائفة المصلوبة وضرورة قيامتها، الى وهن الوطن وضرورة القيامة من مقابر الطبقة السياسية بعناوينها كافة. بعد أن حمل سامي صليب بشير، نزل عنه ودفعه اغتيال أخيه الى مقعد العائلة في الكتائب ، ليضخ فيه حيوية مشبعة بأحلام آل الجميل ،ومنح الكتائب رصيداً شبابياً أعاد للحزب المتكهل صبى التجديد في خلايا ميتة نتيجة لتجربة مات فيها الحلم الكتائبي. دخل مجلس النوَاب في افتتاحية مميزة أهلته للجلوس في جحر ماتبقى من أفاعي السياسة اللبنانية ، وجعلته استثنائياً بالمقارنة مع صبيان النيابة الحزبية من أهل اليمين الى أهل الشمال، وبذلك أثبت أن الوراثة السياسية رصيد كبير، الاَ أن الوارث أمَا أن يصرف من هذا الرصيد الى حدً الافلاس، واما أن يضيف الى الرصيد أرصدة ذاتية تكبر من حجم رأسمال السياسي. من الاختلاف مع وجهة نظر سامي الجميل، من حزب العائلة الى اللامركزية، نشير الى شخصية حزبية كفؤة في السلطة والحزب ، الاَ أنَ الطموح اللبناني يدفعنا الى اخراج الجيل السلطوي الجديد من متحف المشاهير حتى لا تكون حدود التجربة السياسية رسم لصورة شخصية تنتظر زيارة هواة المتاحف والاثار. لم تكن موضوعية سمير جعجع أكثر من نزهة سياسية في الحديقة اللبنانية اذا أن المقابلة التلفزيونية مع الزميل وليد عبود لم تقدَم "مناضلاً" في القوات اللبنانية بل محنط قيادي يتصف بصفات الأخصام الأمر الذي لايجعل من رئيس القوات مبررا كافياً لتبديل الآخرين لمواقعهم السياسية والالتحاق بمشروعية وطنية تعكس مصالح شبكة أوسع من مروحة زعيم أو جهة. لهذا لم يستطع الحكيم من أن يكون بشيراً بالنسبة للمسيحيين أو بالنسبة للقواتين وقد دفعته تجربته الى مساحة وطنية نظفت من مواقفه وأحلامه وجعلته متصلاً ببعد يتجاوز العودة الى الشكل الأوَل للبنان كدولة ووطن وصيغة. لا شكَ بأن القوات اللبنانية متبوئة للمراكز الأولى في التمثيل المسيحي مع التيار الوطني الحرَ وأن الكتائب تأتي في المرتبة الثالثة الاَ أن المستقبل السياسي للحزبية المسيحية مكشوف لسامي الجميل لاعتبارات عديدة وأهمها التموضوع في خندق نضالي لا في فندق سياسي والمسألة بالنسبة له قضية وليست حصَة أو رئاسة أو زعامة انه موجة كتائبية بشحنة بشيرية متطورة تملك طاقة قادرة على احداث تغير في الشارعين اللبناني والمسيحي.