لو كانت إيران لا تجد مصلحة لها في قيام سياسيين عراقيين بزيارة إسرائيل لما تجرأ أحد منهم على أن يلقي خطوة في ذلك الاتجاه.
 

في ما يتعلق بالزيارات التي قام بها سياسيون عراقيون من الدرجة العاشرة إلى إسرائيل فلا تفسير لها سوى رغبة إيران في إطلاق بالونات اختبار في اتجاه الدولة العبرية.

الإسرائيليون من جهتهم لا يمانعون في أن يقوم عرب بزيارة “دولتهم”، وقد شهدت السنوات الماضية استجابة عدد من الصحافيين والشعراء والفنانين العراقيين المقيمين خارج العراق لدعوات وجهتها لهم مؤسسات إسرائيلية، دافع البعض منهم علنا عن تلك الزيارات بطريقة تنطوي على التشفي بالعرب، كونهم أمة مهزومة.

غير أن اللافت في ذلك الأمر أن أحدا من العراقيين (خارج العراق وداخله) لم يرتكب تلك الفعلة قبل احتلال العراق وسقوط الدولة العراقية التي كانت تجرّم التعامل مع إسرائيل من جهة كونه خيانة عظمى.

القانون نفسه لا يزال ساريا، غير أن هناك جهة أقوى منه عطلت مفعوله. تلك الجهة هي إيران. فبيد إيران يقع الآن كل شيء في العراق وبالأخص على مستوى علاقاته الدولية.

لو كانت إيران لا تجد مصلحة لها في قيام سياسيين عراقيين بزيارة إسرائيل لما تجرأ أحد منهم على أن يلقي خطوة في ذلك الاتجاه. أما مَن يخالف فإن مصيره سيكون الإعدام حسبما ينص القانون العراقي.

أما لماذا تختار إيران سياسيين مهمشين للقيام بتلك الخطوة التي تتم بتدبير منها، فذلك يتسق مع هدفها المؤقت. وهو هدف يمهد لطريق طويلة، لن يكلف الإسرائيليون أنفسهم عناء تعبيدها بالأمنيات.

أما الحديث عن حقوق اليهود العراقيين الذي سُفّروا من العراق بعد اغتصاب فلسطين فلا قيمة له الآن، بالرغم من أن بعض العراقيين صار يمجد صالح الكويتي باعتباره جوهرة المقام العراقي.

ما يهتم به العراقيون من تفاهات لا يقع ضمن اهتمامات الإسرائيليين.

سياسيو الهامش العراقي اكتفوا بالصمت في مواجهة التقارير الإسرائيلية الصادمة. لا أتوقع أنهم في طريقهم لإصدار بيانات إنكار. لا لأن الجهات الإسرائيلية نشرت قوائم موثقة بأسمائهم، بل لأنهم مطمئنون إلى أن القوى المكلفة من قبل إيران بحمايتهم لن تتخلى عنهم. وهو ما لا يمكن أن يكون أمرا مضمونا في العراق على أي حال.

الأهم في الموضوع أن أولئك السياسيين لا تهمهم سمعتهم ولا مستقبلهم السياسي. ذلك لأنهم حضروا إلى السياسة بالصدفة، وستخفيهم صدفة متوقعة حاملين معهم الأموال التي جنوها من صفقات الفساد التي عقدوها. وكما أتوقع فإن زيارة إسرائيل كانت عبارة عن صفقة عقدوها مع الشيطان من أجل أن يبرروا وجودهم التزييني غير الضروري في المشهد السياسي.

وليس مهما والحالة هذه أن يكونوا مجرد أوراق محروقة في لعبة، هي أكبر منهم. فهم يعرفون جيدا أنهم مجرد ممثلين لأدوار ثانوية لا يملكون موهبة تمثيلها. هم في الحقيقة سقط المتاع الذي اختارته إيران ليكون حطبا لنار تطبيع مختلف.

ذلك النوع من التطبيع لا تحتاجه إسرائيل في هذه المرحلة على الأقل. لقد تجاوزته بسبب شعور العالم العربي بأن خطر إيران هو أكبر من الخطر الإسرائيلي، وهو ما أدى إلى إعادة رسم خرائط العلاقات في المنطقة.

ولهذا يمكن النظر إلى تهافت السياسيين العراقيين على زيارة إسرائيل على أساس كونه نوعا من السلوك الرث الذي لا يمكن أن ينظر إليه الإسرائيليون بطريقة جادة. إنها خطوة إيرانية مفضوحة وغير موفقة.

ولو ذهبنا إلى الخلاصات سيكون في إمكاننا القول إن إيران تستجدي علاقة مبطنة مع إسرائيل من خلال عملائها العراقيين الصغار. وهو ما لا تعترض عليه إسرائيل، غير أنها لا توليه أهمية تُذكر. فالعراق بعد احتلاله هو دولة قد خرجت من المعادلة الإقليمية ولم يعد يعني لإسرائيل إلا تلك البلاد التي دُفن فيها النبي عزرا (العزير في المرويات الشعبية العراقية).

ما أنا على يقين منه أن المطبعين العراقيين قد تم استعمالهم إيرانيا من أجل أن يفهم العراقيون أن قانونهم لا قيمة له حتى لو تعلق الأمر بالخيانة العظمى. هكذا يتفنن العراقيون في إذلال أنفسهم، وهي مأثرة إيرانية جديدة.