في خطاب حفل بالمغالطات والمبالغات وأنصاف الحقائق، جدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مطالبته الديموقراطيين في الكونغرس بتخصيص أكثر من خمسة مليارات دولار لتمويل ما وصفه بـ”الحاجز” العازل على الحدود مع المكسيك، مدعياً ان البلاد تواجه “أزمة قلب وأزمة روح”. ولاحقاً وصفها بأنها أزمة أمنية وأزمة انسانية، لكنه واصل ما اعتبره الديموقراطيون وغيرهم من المحللين محاولاته لابتزاز الديموقراطيين حين قال لهم عملياً إنّهم اذا ارادوه ان يتراجع عن قراره “اغلاق” بعض الخدمات الحكومية فعليهم الموافقة على طلبه.

لكن ترامب تراجع عن تهديده باعلان حال طوارئ في البلاد كما هدد مراراً في الايام الأخيرة ربما لأنه يدرك ان خطوة كهذه ستكون غير قانونية، وان الديموقراطيين سوف يتحدون أي اعلان من هذا النوع في المحاكم. وتزامن خطاب ترامب مع تقدم تحقيقات المحقق الخاص في التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسيّة روبرت مولر، وعدد آخر من المحاكم التي تجري 17 تحقيقاً مختلفاً في ما يتعلق بالرئيس وادارته وافراد عائلته وشركته، ومع اقتراب لجان مجلس النواب الديموقراطي من بدء تحقيقاتها المستقلة في مختلف الانتهاكات والاتهامات التي وجهت إلى ترامب وحكومته وافراد عائلته، والتي تجاهلها مجلس النواب حين كان الحزب الجمهوري يسيطر عليه في السنتين الأخيرتين.

ووصف ترامب الحاجز، الذي اقترح ان يكون من الصلب، بعدما خفف في الاسابيع الماضية من استخدامه لكلمة “الجدار” لأنها أصبحت “نووية” ورمزاً لجدل أوصله إلى تنفيذ تهديده حين بدأ مفاوضاته مع الديموقراطيين بعد فوزهم بمجلس النواب، الى اغلاق جزئي للخدمات الحكومية يطاول رواتب أكثر من 800 الف موظف فيديرالي بعضهم يقوم بوظائف بالغة الاهمية بالنسبة إلى سلامة المواطنين مثل المفتشين في المطارات وغيرهم من العاملين في المرافق الحساسة.

وكان ترامب قبل أسابيع قد تراجع عن توقيع تسوية توصل اليها مجلسا الكونغرس تقضي بمواصلة الخدمات الحكومية حتى شباط لاعطاء الطرفين مزيداً من الوقت للتفاوض في شأن أمن الحدود، بعدما تعرض لهجمات لاذعة من معلقين يمينيين يرى انهم يعبرون عن قاعدته الضيقة. ويريد ترامب استخدام ضغوط هذه القاعدة على الاعضاء الجمهوريين في مجلس الشيوخ لحمايته من أي محاولة جدية يقوم بها الديموقراطيون في مجلس النواب مستقبلاً ببدء الاجراءات القانونية لمحاكمته في مجلس النواب كما ينص الدستور. ولخص السناتور الجمهوري ليندسي غراهام المقرب من ترامب خوف الرئيس الذي يفسر تعلقه ببناء الجدار لارضاء قاعدته قائلاً: “اذا عارضنا طلب الرئيس فهذا سيكون بمثابة نهاية رئاسته”.

ومنذ اغلاق الخدمات الحكومية قبل أكثر من 18 يوماً، طغت هذه المسألة، أو “الازمة المفتعلة” كما يسميها الديموقراطيون، على الجدل السياسي في البلاد، وانحسرت اخبار تحقيقات روبرت مولر الى الخلفية بعض الشيء، الامر الذي يناسب ترامب، الذي يحضّر مع محاميه لمواجهة تحقيقات لجان الكونغرس، والمفاجآت المتوقعة من تقرير مولر.