في ظل استمرار الازمة الحكومية وفشل القوى السياسية اللبنانية في الوصول الى حلول عملية للازمات المختلفة ، فاجأ رئيس مجلس النواب نبيه بري اللبنانيين باعادة طرح موضوع الدولة المدنية كعلاج جذري لازمات النظام اللبناني.

ولم يطرح الرئيس بري تفاصيل المشروع الذي يتبناه ، لكن الوزير السابق وئام وهاب قال بعد زيارته لبري : ان المشروع الذي يطرحه رئيس مجلس النواب يتضمن رؤية متكاملة تتضمن انتخاب مجلس نواب غير طائفي وانتخاب مجلس شيوخ لتمثيل الطوائف اللبنانية، وهذه الافكار تتطابق مع اتفاق الطائف والتعديلات الدستورية التي تمت بعد الاتفاق .

وفي موازاة ذلك فان بعض المصادر المطلعة في حركة امل تشير الى ان هذا الطرح يتوافق مع رؤية الحركة وطرح الامام موسى الصدر وهو يتطلب حوارا ونقاشات موسعة.

فلماذا استعاد الرئيس نبيه بري اعادة طرح مشروع الدولة المدنية في هذه الايام ؟ وماذا عن الطروحات السابقة حول الدولة المدنية وهل يمكن ان يستفيد منها رئيس المجلس النيابي لبلورة مشروعه الجديد؟

اسباب طرح الدولة المدنية اليوم

المصادر المطلعة على اجواء الرئيس بري تشير الى ان هذا الطرح هو رد غير مباشر على الازمات التي يواجهها النظام السياسي اللبناني الحالي ، وان الرئيس بري يعتبر ان الفشل في تشكيل الحكومة يؤكد الحاجة لتطوير النظام من خلال العودة الى مشروع الدولة المدنية عبر استكمال تطبيق اتفاق الطائف ، وهذا يتطلب تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية وانتخاب مجلس نيابي من خارج القيد الطائفي وتشكيل مجلس الشيوخ.

ويبدو ان هذا الطرح ، اضافة لمطالبة الرئيس بري بقيام الحكومة المستقيلة باقرار موازنة جديدة في ظل قيامها بتصريف الاعمال ، كما حصل مع حكومة الرئيس الراحل رشيد كرامي عام 1969، هو نوع من رد غير مباشر على فشل الاطراف السياسية في معالجة الازمة الحكومية ، وللعمل على لتحريك الواقع السياسي الداخلي في ظل الازمة المستمرة.

الاستفادة من الطروحات السابقة

لكن ماذا عن الطروحات السابقة حول الدولة المدنية في لبنان؟ وهل يمكن للرئيس نبيه بري وقيادة حركة امل الاستفادة من هذه الطروحات لبلورة مشروع متكامل لمعالجة ازمات النظام اللبناني؟

موضوع الدولة المدنية في لبنان والعالم العربي ليس جديدا ، فقد طرح في العديد من المؤتمرات والندوات وقدمت اوراق عمل متنوعة ، ومنها سلسلة ندوات عقدها المركز الماروني للدراسات والتوثيق والذي اصدر كتابا خاصا في هذه المجال ، كما ان ملتقى الاديان والثقافات للتنمية والحوار عقد مؤتمرا خاصا حول المواطنة، وهناك العديد من الهيئات والجمعيات التي تعني بالدولة المدنية ، وكان الرئيس حسين الحسيني وعدد كبير من الشخصيات الفكرية والسياسية قد اسسوا قبل سنوات " المركز المدني للمبادرة الوطنية" الذي يدعو لقيام الدولة المدنية واحترام حقوق الانسان وفقا للدستور اللبناني والقوانين اللبنانية، ومن ضمن سلسلة النقاشات والحوارات عن الدولة المدنية ، نظم برنامج السياسات العامة في حركة التجدد الديموقراطي، بالتعاون مع مؤسسة كونراد اديناور الالمانية قبل حوالي السنة ونصف ، طاولة مستديرة بعنوان "خارطة طريق الى الدولة المدنية في لبنان: ادارة التعدد الطائفي داخل نظام ديموقراطي"، وهي لمناقشة ورقة سياسات policy paper تهدف الى وضع اطار تنفيذي لتطوير التعددية الطائفية في النظام اللبناني، بما يؤدي الى دولة مدنية ديموقراطية قائمة على المواطنة والمساواة امام القانون. شارك في اللقاء نحو 80 شخصية من الاكاديميين والناشطين السياسيين والنقابيين والعاملين في الحقل العام، وتم خلال ذلك مناقشة خارطة طريق نحو الدولة المدنية , وتتضمن شرح الخصائص الاجتماع السياسي اللبناني وتطوره، من ميثاق العيش المشترك ومفهوم المشاركة، وتأسيس الديموقراطية التوافقية اللبنانية، وانحراف الديموقراطية التوافقية من خلال التطبيق الانتقائي لاتفاق الطائف, واقتراح المعايير التعريفية لـ"الدولة المدنية": ان تكون الدولة محايدة في الامور الدينية، ان تعامل مواطنيها بالتساوي وبمعزل عن انتمائهم الديني، ضمان الحريات الدينية سواء في الاعتقاد او في التعبير او في الممارسة، تكفل استقلالية النظام القضائي (في قوانينه واحكامه)، تكفل حرية نظام التعليم، تكفل الحقوق الشخصية والمدنية والسياسية، ومن ضمنها حق المشاركة في الشأن العام وتبوؤ السلطة او المسؤوليات العامة لأي مواطن بمعزل عن دينه"، وقد صدرت الورقة في وقت لاحق وتم تعميمها عبر الفايسبوك.

اذن هناك مبادرات عديدة حول الدولة المدنية ، وبغض النظر عن الاسباب المباشرة وغير المباشرة التي دفعت الرئيس نبيه بري لطرح مشروع الدولة المدنية ، وبغض النظر عن الازمة الحكومية وامكانية معالجتها في اي وقت ، فان هذا الطرح يشكل فرصة لاطلاق حوار وطني شامل حول ازمات النظام اللبناني وكيفية معالجة هذه الازمات وما اذا كانت العودة لخيار الدولة المدنية هو الحل الجذري لهذه الازمات.

 

 

الأمان