50 ألف فرنسي من مجموعة «السترات الصفر» تظاهروا يوم السبت الماضي، خلال هذه التظاهرات دخل مخربون وقاموا بأعمال عنف ضد قوات الأمن والشرطة. هؤلاء المخربون يستفيدون من التظاهرات للقيام بأعمال عنف وسرقات تسيء، منذ بداية تحركات «السترات الصفر»، لفرنسا وخصوصاً السياحة والتجارة.

و«السترات الصفر» يطالبون بتحسين قوتهم الشرائية وأوضاعهم المعيشية، وهم يطالبون ماكرون بالاستقالة، فبين السترات هناك عناصر سياسية من اليمين الفرنسي المتطرف، واليسار المتطرف التابع لجان لوك ميلانشون يريدون تخريب الحياة المؤسساتية الفرنسية، أما «السترات الصفر» المطالبون بتحسين أوضاعهم المعيشية؛ فالسؤال هو: هل يريدون ساحراً أم رئيساً للجمهورية تم انتخابه قبل أقل من سنتين؟

صحيح أن هناك عدداً كبيراً من الذين يعانون في فرنسا من أوضاع معيشية صعبة بسبب البطالة والضرائب والغلاء. ولا شك أن مطالب بعضهم شرعية. وماكرون ورئيس حكومته ادوار فيليب قدما تنازلات عدة بالنسبة لهذه المطالب. ولكن «السترات الصفر» اعتبروها «لا تكفي». ولم يعد بالإمكان أيضاً تحمل تحويل فرنسا إلى بلد معطل كل يوم سبت، ويتحمل خسارات إضافية وتخريب متاجر وتكبد الاقتصاد كوارث، إضافة إلى ضرب الشرطة وقوى الأمن الذين لديهم أيضاً أوضاع معيشية صعبة ورواتبهم كثيراً ما تساوي رواتب «السترات الصفر»، وعلى رغم ذلك يعملون بجهد وشجاعة للحفاظ على الأمن، فلم يبق لماكرون إلا خيار التشدد لضبط الأمن، وإلا تسير الأمور إلى الأسوأ للجميع.

المخربون لا يبالون ما إذا ما كانت الأوضاع المعيشية ستسوء، ولكن الشعب الفرنسي سيتأثر سلباً باستمرار هذا التحرك، لأنه سيعطل عجلة الاقتصاد والاصلاحات التي انتخب ماكرون من أجل إدخالها إلى الاقتصاد، وكثيراً ما يطرح السؤال: ماذا بإمكان الرئيس الفرنسي أن يفعله الآن للخروج من هذا المأزق؟ والجواب هو ضرورة التشدد وضبط الأمن، مع حوار وفقاً لما عرضه مع جميع القطاعات الاقتصادية في البلد، لتحسين الأوضاع.

تدهور الأوضاع المعيشية لـ«السترات الصفر» لم يكن ماكرون سببه، بل يعود إلى عقود ماضية، حيث لم يتجرأ أي رئيس على الذهاب إلى النهاية في إصلاحات ضرورية تخوفاً من التظاهرات وتدهور صورته في استطلاعات الرأي، وحان الوقت أن ينفذ ماكرون الإصلاحات التي وعد بها، ويتشدد إزاء المخربين الذين يريدون تدمير المؤسسات وتخريب بلد عريق مثل فرنسا، إضافة إلى ذلك هناك ضرورة لفرنسا ودول الاتحاد الأوروبي لمراجعة أسس وقوانين الاتحاد. ان التزام دول أوروبا عدم تجاوز عجزها ثلاثة في المئة قانون صارم يحد من إمكانات تمويل الدول الأوروبية متطلبات شعبها لأنها مجبرة على تقليص الصرف، ولا بد لفرنسا وألمانيا المعتبرتين محركين للاتحاد الأوروبي ان يتحركا من أجل مراجعة كل هذه القوانين، لأن انتخابات البرلمان الأوروبي في أيار (مايو) في فرنسا. وقد نرى نتائج غير مرضية، بسبب ظروف أوروبية تفرض على شعوب الاتحاد قيوداً تؤدي إلى تحركات مثل «السترات الصفر».

الاتحاد الأوروبي مؤسسة ضرورية لمستقبل شعوب أوروبا، والعملة الأوروبية (اليورو) أهم وأفضل حدث في هذا الاتحاد، ولكن المطلوب الآن مراجعة قوانينه وإدخال الإصلاحات كي لا يؤدي ذلك إلى تزايد استياء الشعوب الأوروبية من الاتحاد، كما حدث في بريطانيا مع «بريكزيت»، وكما يحدث في إيطاليا والنمسا حيث وصلت إلى الحكم قيادات شعبوية من اليمين المتطرف، تدفع الشعوب إلى الخوف من اتحاد هو لمصلحتها في المدى الطويل .