بعد هدنة أرساها حل «العقدة المسيحية»
 

عاد الخلاف بين «التيار الوطني الحر» و«القوات اللبنانية»؛ الحزبين الأكثر بروزاً على الساحة المسيحية في لبنان، ليتفاقم مجدداً بعد مرحلة من الهدنة أرساها التوصل لحل ما عُرفت بـ«العقدة المسيحية» أو تمثيل «القوات» في الحكومة الجديدة. ومع استمرار المراوحة على صعيد عملية التشكيل، حمّل مسؤولون ونواب قوّاتيون رئيس «التيار» جبران باسيل مسؤولية التأخير، مع إصرارهم على فصل علاقتهم وموقفهم من باسيل عن العلاقة مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون.

وبلغ الاشتباك السياسي بين الحزبين الصيف الماضي مستويات غير مسبوقة، خصوصا مع إعلان «القوات» انقلاب «الوطني الحر» في عملية تشكيل الحكومة على الاتفاق الذي وقعه الطرفان في عام 2016 وعُرف بـ«اتفاق معراب»، كما بعد مطالبة «القوات» بإعطاء حصة وزارية واحدة مشتركة لرئيس الجمهورية ولتكتل «لبنان القوي» الذي يرأسه باسيل. وكان قد سبقت هذا الاشتباك خلافات متعددة داخل مجلس الوزراء على أكثر من ملف، مما أدى عمليا لتجميد الاتفاق السياسي الموقع بين الحزبين.

وبعد فترة من وقف السجالات وتبادل الاتهامات؛ وبالتحديد بعيد بروز ما عُرفت بـ«العقدة السنية» واعتبار الطرفين أن الخلاف محصور في «البيت السني»، أدى توجيه نواب ومسؤولين قوّاتيين أصابع الاتهام باتجاه باسيل في تأخير عملية تشكيل الحكومة، إلى اهتزاز العلاقة بين الفريقين مجددا؛ إذ عدّ النائب في حزب «القوات» وهبة قاطيشا الأسبوع الماضي أن «جشع وجوع السلطة لدى الوزير باسيل يؤخران تشكيل الحكومة ويعرقلان العهد»، فيما رأى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في «القوات» شارل جبور أن «العقدة الحكومية موجودة عند الوزير جبران باسيل والشعب اللبناني يعلم ذلك».

ويرفض عضو كتلة «القوات» جورج عقيص توجيه الاتهامات لحزبه بافتعال مشكل جديد مع «الوطني الحر»، لافتا إلى أن «ما يحصل مجرد توصيف لما يجري على صعيد عملية تشكيل الحكومة، فكيف نفسر أن يكون الوزير باسيل يقوم بالمهام التي أوكلها الدستور لرئيس الحكومة المكلف، فهو اليوم من يحمل المبادرات ويطرحها على الرئيس الحريري بدل أن يقوم الأخير بدوره في هذا المجال من خلال التواصل مع كل الفرقاء لإيجاد المخارج المناسبة للأزمة».

وقال عقيص لـ«الشرق الأوسط»: «لقد قلبوا الأدوار 180 درجة من دون حرج أو حياء، فبات باسيل يطرح والحريري يوافق أو يرفض، وهذا بمثابة انقلاب من باسيل على الأعراف وعلى نص الدستور».

ويقر عقيص بأن العلاقة بين المحازبين القوّاتيين والعونيين «متوترة، ونحن لا شك لا نرى مصلحة بذلك لا للبنان ولا للمجتمع المسيحي»، لافتا إلى أن «(اتفاقية معراب) هي الإطار الصالح لرعاية العلاقة بين الحزبين، لكن للأسف

فإن (التيار) لم يلتزم بمضمون الاتفاقية، ما اضطرنا إلى نشر بنودها»، معربا عن أمله في عودة قنوات الاتصال بين الحزبين وإن كانا في السياسة في مواقع مختلفة.

وتستغرب مصادر نيابية في «التيار الوطني الحر» الحملة «القوّاتية» المستجدة بعد مرحلة من الهدنة، مشددة على وجوب «ترقب ما الجديد الذي يحملونه وما هو بالتحديد المطلوب منهم». وتشير المصادر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «حزب (القوات) لطالما كان رأس الحربة في مواجهة (التيار)؛ سواء داخل مجلس الوزراء أو مؤخرا في عملية تشكيل الحكومة حين سعوا لتحجيمنا، وبخاصة عندما طالبوا بحصولنا ورئيس الجمهورية على حصة وزارية واحدة». وتضيف المصادر: «هم لم يكونوا يوما إيجابيين معنا، وبخاصة مع الوزير باسيل، وهم وسواهم يخافون أن ينجح عهد الرئيس عون وأن ننجح كفريق سياسي، لأن ذلك سيعزز تلقائيا حظوظ الوزير باسيل برئاسة الجمهورية المقبلة، وهذا ما يتصدون له بكل الوسائل».

وشكلت المصالحة بين عون وجعجع في عام 2016 إحدى أبرز المحطات في تاريخ لبنان الحديث، باعتبار أن الرجلين خاضا حربا ضارية في عام 1990 أدت لمقتل وجرح المئات، وانتهت إلى نفي عون إلى باريس وسجن جعجع طوال 11 عاما. ولم يقتصر التقارب العوني - القوّاتي على المصالحة؛ إذ وقع الطرفان في العام نفسه اتفاقا سياسيا تبنى على أساسه جعجع ترشيح عون للرئاسة. إلا إن هذا الاتفاق سقط مؤخرا بعد اختلاف الفريقين على ترجمة باقي بنوده بعد رفض «الوطني الحر» تقاسم المقاعد الوزارية المسيحية مناصفة مع «القوات». ولعل أبرز ما حققته هذه المصالحة نجاح عون في تبوؤ سدة الرئاسة، فيما أمنت لجعجع أرضية صلبة ليطالب بعد 4 سنوات بخلافة عون.