على الدولة والجمعيات والأحزاب التعامل مع هذا الأمر على أنه تهديد إجتماعي وسياسي لا يقلّ أهمية عن المخدرات والفساد
 

البعض يعتبرها مجرد رقم يُضاف إلى ما سبقها ، وآخرون يرون فيها بداية أمل جديد مع ما تحمله من حظوظ وفرص . لكن عند آخرين ، فرأس السنة محطة من محطات التعبير عن الذات بأساليب غير قانونية يدفع ثمنها الأبرياء .

لا تقتصر ظاهرة إطلاق النار في لبنان على مناسبة رأس السنة الميلادية فقط ، بل إن فئات من الشعب اللبناني تُمارس هواية القتل المجّاني هذه في مناسبات مختلفة ، كالنجاح في الإمتحانات الرسمية والتشييع والأعراس وحتى عند إطلاق سراح مجرم من السجن .

فالظاهرة بالأساس هي تقليد شعبي منتشر في لبنان وبعض البلدان العربية ، ويُمارسها أصحابها كرمز للرجولة والقوة والسيطرة والنفوذ .

لكن هذه الظاهرة خرجت عن إطارها التقليدي الشعبي الذي كان مقتصراً على مناسبات إجتماعية ضيّقة ، وتحوّلت إلى هواية يومية وغوغائية بكل ما للكلمة من معنى . إذ أنّه من سنوات ليست ببعيدة ، أصبحت عادة تُرافق الإطلالات الإعلامية للمسؤولين اللبنانيين ، خصوصاً الرئيسين نبيه بري وسعد الحريري والسيد حسن نصر الله ، ما جعل الكثير من الأحزاب تُصدر تعليمات بمنع إطلاق النار .

ورغم هذه التعليمات والتحذيرات من قبل بعض المسؤولين ، إلاّ أن هذه الظاهرة إستمرت ، ووحدهم الأبرياء من يدفعون الثمن .

إقرا أيضا:العهد مُقصِّر ... متى يفي بوعوده عن مكافحة الفساد وبناء الدولة؟

في ليلة رأس السنة بالأمس ، حصل إطلاق نار كثيف في مختلف المناطق اللبنانية إبتهاجاً بقدوم العام ٢٠١٩ ، وجُرحت فتاة صغيرة في صور  برقبتها بسبب ذلك . ورغم التحذيرات التي أصدرتها القوى الأمنية في هذا الشأن ، إلاّ أن ميليشيات رأس السنة نفّذت ما ترغب به ، غير مكترثة بالدولة وأجهزتها .

عدم الإكتراث ذلك ، مردّه لثقافة شعبية خاطئة تربط بين الرجولة وحمل السلاح ، إذ يتسلّح بعض هؤلاء بمقولة السيد موسى الصدر " السلاح زينة الرجال " ، لكن هؤلاء ولأسباب بريئة وغير بريئة يتناسون أن الإمام الصدر عاد وأوضح ما يقصده من هذا الكلام وهو أن السلاح بوجه العدو فقط لا في زواريب وأحياء لبنان. 

أيضاً ، البعض يُمارس هذه الهواية كتقليد شعبي توارثه من عادات عشائرية أو قروية ، نقلها معه عندما نزل وسكن في العاصمة بيروت وضواحيها وبقيَ متمسكاً بها ، وإجتهد في إستغلال هذه الظاهرة وتعميمها على مناسبات أخرى .

كذلك ، يُطلق البعض النار حبّاً بخرق القانون والتعدّي على هيبة الدولة ، وعشقاً للخروج عن المألوف ، حيث تُصبح المفرقعات النارية غير كافية لبهجته وفرحته .

ورغم وضوح الأسباب ، فإن حملات التوعية والمكافحة التي تقوم بها الجمعيات والأحزاب وأجهزة الدولة لم تستطع مكافحة هذه الظاهرة ووضع حدّ لهذا التهديد الداخلي الذي يستبيح هيبة الدولة ومساحات من سيادتها.

لذلك على الدولة أن تضع خطة عمل لمكافحة هذا التهديد ، ووضع أحزاب الأمر الواقع أمام مسؤولياتهم ومطالبتهم برفع الغطاء السياسي عن هؤلاء كونهم يحتمون بهم ، مع حملات توعية إضافية فعّالة ومنتجة لزيادة الوعي لدى هؤلاء وتوضيح مخاطر ما يقومون به .

أقرا أيضا: الشيعة يبحثون عن الفرح في شجرة الميلاد

فمعظم حالات إطلاق النار تحصل في الأحياء المكتظة بالسكان ، وهذا أمر خطير جدّاً يُهدّد حياة الأبرياء . 

وإن كانت أحزاب السلطة جادّة في مكافحة هذه الظاهرة ووقف تعديات هذه الميليشيات على أمن وأمان السكان ، فعليها أن تُبادر إلى رفع الغطاء عنهم وتسهيل عمل الدولة في مناطقهم، وإلاّ فإن هذه الأحزاب تكذب وتُمارس الخديعة علناً .

والأهم من كل ذلك ، أن على الدولة والجمعيات والأحزاب التعامل مع هذا الأمر على أنه تهديد إجتماعي لا يقلّ أهمية عن المخدرات ، وتهديد سياسي وإقتصادي كالفساد والهدر .

أما الإكتفاء ببوستات وإعلانات ليلة رأس السنة بضرورة عدم إطلاق النار وتوقيعها بإسم أحزاب وجمعيات ، فهذا لا ينفع ، بل الأمر بحاجة إلى طريقة تفكير شاملة على مدار العام للحدّ من غياب الوعي والعمل على توعية المواطنين ، لا تذكّر هذه الحادثة فقط ليلة رأس السنة فقط .