إندلعت الحرب في سوريا عام 2011 لهدف رئيس هو تَنحية الرئيس بشار الأسد عن سدّة الحكم. ولكن بعد 7 سنوات من انتشار الفوضى «المجنونة» في سوريا، تدلّ مواقف كثير من الدول إلى تقبّلها بَقاءه على رأس السلطة في بلاده.
 

أحداث غير مسبوقة ومفاجئة في سياق الأزمة السورية طبعت الأيام الفائتة، مُنذرة بأنّ الحرب شارفت على النهاية، وأنّ الأسد باقٍ على كرسيه، أو أنّ «مرحلة جديدة» تُحَضّر، أبرزها إعلان الولايات المتحدة الاميركية سحب قواتها «من كل الأراضي السورية»، مشيرة الى تحقيق هدفها بهزيمة «داعش».

وعلى الجهة الأخرى، تبدو موسكو الداعم الأول للنظام السوري مطمئنة الى مصير حليفها الأسد، ومرتاحة. فلم تعد «كرة التسوية السورية في ملعبها» وحسب، بل إنّ الملعب السوري بات في غالبيته منقاداً إليها بعد الانسحاب الأميركي.

وأتى سحب الروس الجزء الأساسي من قواتهم قبل إعلان الخطوة الأميركية، ليوحي أيضاً أنّ الحرب شارَفت على النهاية، في حين لمّحت روسيا إلى أنّ الأسد أعاد سيطرته بفضل دعمها على 96 في المئة من أراضي سوريا.

صحيح أنّ الرئيس السوداني عمر حسن البشير مطلوب من محكمة الجنايات الدولية لاتهامه بارتكاب جرائم حرب في دارفور وجنوب السودان، إلّا أنّ زيارته لسوريا نهاية الأسبوع الفائت اكتسبت أهمية، كونها الأولى لرئيس دولة عربية يزور دمشق منذ اندلاع الأزمة السورية.

وقد أطلقت هذه الزيارة سيلاً من التساؤلات حول أهمية توقيتها والجهات التي نَسّق معها البشير في شأنها، وإن كانت تشكّل باباً ستجتازه سوريا في اتجاه تجديد علاقاتها مع عدد من الدول العربية وصولاً إلى إلغاء تجميد عضويتها في جامعة الدول العربية.

وتزايدت هذه التساؤلات عقب استقبال البشير لمسؤول عسكري سعودي رفيع في الخرطوم، بعد يومين من لقائه الأسد في دمشق.

وتزامناً مع هذه التطورات غير المتوقّعة، سقطت أنقرة، التي تشكّل رأس الحربة في الحرب ضد الأسد والداعم الأول لعدد كبير من الفصائل المعارضة، في زلّة لسان، حين أعلن وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو أنّ بلاده ستنظر في العمل مع الأسد في حال جَرت انتخابات ديموقراطية ونزيهة وفاز بها، ليعود أوغلو ويَنفي في اليوم التالي نيّة بلاده التعامل مع رأس النظام السوري.

أمّا على الجبهة الأميركية، فيبدو أن ّواشنطن متقبّلة لِما آلت اليه الامور في سوريا، وغالب الظن انها طَبخت هذه النتيجة مع روسيا.

وقد أكد المسؤول الأميركي عن الملف السوري، جيمس جيفري، الاثنين الماضي أنّ سياسة الولايات المتحدة في سوريا لا تهدف إلى «التخلّص» من الأسد، لكنّها في المقابل لن تموّل إعادة إعمار هذا البلد إذا لم يتغيّر نظامه «جوهرياً».

لكنّ هذا التحذير الأميركي لم يَقضّ مَضاجع الاسد، الذي كان قد أكد في وقت سابق رَفضه مشاركة دول أوروبية وغربية في إعادة الإعمار، وأنه سيعتمد أساساً على دعم «الدول الصديقة». وبذلك يضمن الأسد لإيران وروسيا، اللتين حَمتاه ونظامه، تحقيق المكاسب والعقود.

صفقات

ويبقى السؤال هل انّ بقاء الأسد في المشهد جاء نتيجة فوزه في الحرب كما يُعلن وذلك بدعم روسي إيراني عسكري؟ أم أنّ حرب الدول في سوريا حَوّلت مسار الثورة ضده حرباً ضد «داعش» عمداً، فأذهلت العالم بهذا الشبح الغريب وليد الاستخبارات الدولية، وخطفت الأنظار عن الهدف الأساسي للثورة، إذ يتبيّن يوماً بعد يوم أنّ البلدان الغربية الكبرى لم تسعَ فعلاً إلى اقتلاع الأسد، كما زعمت؟

فعندما قررت الولايات المتحدة الأميركية إسقاط الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، مثلاً، لم تتردّد في قصف قصوره ومقاره على امتداد العراق، وملاحقته حتّى قتله.

أمّا الأسد فتركته في قصره وسط دمشق، بينما كان الشعب يرزح تحت وطأة الحرب والفوضى «الداعشية». حتى أنّ قوات التحالف بقيادة واشنطن دخلت سوريا لمحاربة «داعش»، وقرّرت مغادرتها بعد «إلحاق الهزيمة» بهذا التنظيم، بينما لم توجّه نيرانها دائماً ضد قوات النظام.

وأتت المواقف المدوّية على لسان الاسرائيليين، حين توقّع وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، في آب الماضي، أن تصبح حدود هضبة الجولان «أهدَأ» مع عودة الحكم المركزي للرئيس السوري إليها، واصفاً عودة سوريا إلى وضع ما قبل الحرب بأنه «أمر في حكم المؤكد».

فيما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد جدّد موقفه الصريح بعدم رغبته في تهديد نظام الأسد، لأنه لم يطلق رصاصة واحدة في الجولان المحتلّ منذ أربعين عاماً، موضحاً أنّ ما يهمه هو إخراج القوات الإيرانية من سوريا.

وبذلك، يبدو أنّ إحدى التسويات الأميركية الغربية، قَضت بوَضع سوريا برئاسة الأسد تحت مظلة النفوذ الروسي. على أنّ روسيا لم تدعم الأسد فقط لكونه حليفاً، بل طمعاً بموطىء قدم في الشرق الأوسط ونفوذ لا مُتناه في عقر داره، علماً انّ الوجود في المياه الدافئة هو هدف دائم واستراتيجي لروسيا منذ أيام حكم القياصرة.

كذلك، أدّت خطة أميركية تركية إلى ترك الولايات المتحدة الاميركية «حلفاءها» الأكراد بعد مواجهتهم «داعش»، تحت قبضة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عدوّهم الأزلي الذي يهدد بالقضاء عليهم في أي لحظة، وأيضاً لقمة سائغة لقوات النظام المدعومة روسياً وإيرانياً، بعدما تعهدت باستعادة سيطرة الأسد على كل البلاد.

وبذلك، تبقى سوريا مسرحاً دولياً مفتوحاً لأيّ مسرحيات مأسوية، ويبقى الأسد على كرسيه بغطاء روسي - أميركي - دولي، ولكنه كرسيّ تتهدده رياح الصفقات الدولية المشبوهة والسوداء، فارِضَة على الجالس عليه في غالب الأحيان دور المتفرّج لا القائد.