لا يكاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب يُنهي جولة كباش مع الأجهزة الاستخبارية، حتى يفتتح واحدة جديدة مع وزارة الدفاع. قراره بسحب القوة الاميركية شمال شرق سوريا أسعدَ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافرورف بالقدر نفسه الذي أغضبَ فيه وزير الدفاع الاميركي جيمس ماتيس. أسعدَ في الواقع أطرافاً كثيرة ومتباينة في المنطقة ستتبارى لاحقاً لتقرير من له، منها، مصلحة في هذه الخطوة. المتضرر المباشر: «وحدات حماية الشعب» الكردية. المستفيد المباشر: لا يمكن تحديده بهذه البداهة. لن يكون ثمة رادع امام عمليات تنفذها تركيا ضد هذه الوحدات في المستقبل. الخطوة الترامبية تسحب البساط من تحت الميليشيات الكردية في المنطقة، لكنها تجعل من النزاع على هذا البساط عنواناً للسنة القادمة، وبامتياز. الفراغ الذي سيخلقه هذا الانسحاب من يشغله؟ الاكراد؟ تركيا؟ روسيا؟ ايران؟
 
ماذا قبل كل شيء عن تنظيم «داعش»؟ ترامب يربط قرار سحب القوات الخاصة الاميركية بالنصر على هذا التنظيم، والانتقال من بعدها الى مرحلة جديدة في مكافحة الارهاب. يأتي هذا بعد أسابيع من تشديد رئيس هيئة اركان الجيوش الاميركية جو دانفورد على انه يلزم تجنيد وتدريب نحو 45 الف مقاتل محلي لحفظ الامن في الشرق السوري. هذا في مقابل تصعيد كلامي روسي وصف مؤخراً الوجود الاميركي في سوريا بغير الشرعي. ترامب الذي فضّل خلافة مارك ميلي لدانفورد في المنصب العسكري الرفيع، بدلاً من ديفيد غولدفاين الذي مالت له المؤسسة، قفز رأساً على كل هذا الثبات في الدفاع وعند العسكر على فكرة الاستمرار بالوجود العسكري في سوريا.
 
يسمح القرار الترامبي بتفادي موجة جديدة من التوتر بين واشنطن وأنقره، لكنه يبدو، لوهلة أولى أقلّه، متناقضاً مع النبرة التصعيدية الاميركية تجاه ايران وتمدداتها بالمنطقة. ليست قليلة عناصر الخلخلة التي تقاسيها المنطقة، ولا هي قليلة عناصر الخلخلة المزيدة التي يوفّرها عند كل منعطف دونالد ترامب. يبقى ان ترامب يخلق فراغاً سيتسابق الجميع للاستفادة منه. القرار يحشر وحدات الحماية في الزاوية، لكنه يثير شهوات كل اللاعبين الاخيرين.
 
منذ اشهر والتقارير تتوالى حول استعادة تنظيم "داعش" للتشابك بين مجموعاته، وزيادة فعاليته في القتال في الشرق السوري. القرار من شأنه توفير مناخ لتعويم "داعش" من جديد. لكن الأهم والأخطر أنه يخلق دينامية تسابق بين الجميع، تركيا وإيران والنظام السوري، للاستفادة القصوى والأسرع من الواقع الجديد. القرار «تجريبي» إذا: سحب القوات الخاصة الاميركية سيخلق واقعاً جديداً مجهولاً بالكامل من قِبل من اتخذه، ولا يمكن أن يفرز هذا الواقع الجديد إلا بنتيجة جولة تزاحمية جديدة بين الأطراف المتواجهة لتقرير من سيكون المستفيد الأول ومن سيكون الخاسر الأول من هذا.
 
بمغادرة الاميركيين سوريا تنتهي ايضاً فترة التجاور بين الاميركيين والروس على أرض ملتهبة واحدة، ليترك الواقع السوري ككل أكثر فأكثر للثنائية الروسية ـ الايرانية، مع تناقض تركي - كردي يدخل الآن عتبة لحظة جديدة، وسياسة اسرائيلية في المنطقة عنوانها الأبرز استيعاب أن الاميركيين يميلون أكثر فأكثر الى مصلحة في الانسحاب من جغرافيا المنطقة في هذه المرحلة.
 
لأنه، على الرغم من التنافر بين البنتاغون وترامب بالنسبة الى هذا الملف، يمثّل قرار ترامب التطبيق الحرفي لشعاراته في الحملة الانتخابية، ومن ورائها لمنطق ان الهيمنة الاميركية على العالم لا تكون بإرهاق القوة العظمى نفسها بالتدخلات في كل مكان، وإنما بالتنقل «الاكروباتي» (البهلواني) بين التدخل هنا والانسحاب هناك، والتفرّج على تداعيات التدخلات والانسحابات التي تُعيد توزيع الاوراق والحسابات بين الاطراف عند كل «ارتجال» رئاسي اميركي.
 
ما زال من الصعب الحكم بوضوح على الايقاع الترامبي، وما الذي يمكن ان تكون محصلته، وبخاصة مع اقتراب العدّ العكسي للمنازلة الانتخابية الرئاسية الاميركية. في المقابل، كل هذا الاصطدام مع المحقّقين الفدراليين، الاستخبارات المركزية، قضاة، وسائل اعلامية، وزارتا الخارجية والدفاع، وبعد الانتخابات الاخيرة، مع الكونغرس، وترامب لم يضعف ولم ينزوِ. قلّ الرؤساء في الغرب الذين يلتزمون ببرامجهم الانتخابية بهذا الشكل الحرفي مثل ترامب، والمفارقة أنه في كل مرة يطبّق ترامب واحداً من بنود برنامج حملته ثمة من يعتبر ذلك مفاجئاً!!