يترقّب الجميع الرسالة المتوقع أن يوجّهها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قريباً الى المجلس النيابي، فيما تؤكد مصادر الوزير جبران باسيل انه يؤيّد هذه الرسالة، بلا أدنى تردد، وكذلك يؤيد كل خطوة يتخذها عون. ولكن هذه المصادر ترفض حتى الآن استباق الأمور والتحدث عن رسالة «لا نعرف مضمونها ولا نعرف ما إذا كان الرئيس قد اتخذ قراره بتوجيهها»، مُستغربة التسوية بين الطرفين المتنازعين على حساب رئيس الجمهورية، ومتساءلة عن الاصرار في كل مرة على أن تكون التسوية بين هذين الطرفين على حساب رئيس الجمهورية ووفق أي منطق؟ مطالِبة الحريري بالقبول بتمثيل السنّة المستقلّين في الحكومة، عملاً بالقاعدة التي وضعها بنفسه وأصرّ على أن يكون معيارها وعنوانها «الوحدة الوطنية».
 

لا يمكن لأيّ لبناني نسيان «مساعي» وزير الخارجية جبران باسيل لنجدة الحريري في أحلك أزماته، الّا أنّ «الشك» هو الذي ينتاب حالياً أوساط الرئيس المكلف، إذ تشير مصادر تيّار «المستقبل» الى أنّ باسيل «يبدو اليوم وكأنه يتخلّى عن الحريري في اللحظات الحاسمة لتشكيل الحكومة».

وفي هذا السياق تؤكد مصادر قريبة من رئيس مجلس النواب نبيه برّي تمسّكه بالحريري، وأن «الثنائي الشيعي» لم يتخلَّ يوماً عن الحريري ولا يريد استبداله بأحد، وما زال على تمسّكه به لرئاسة الحكومة. فيما العقدة تكمن في إصرار العهد، وتحديداً باسيل، على التمسّك بالثلث المعطّل داخل الحكومة الجديدة، الأمر الذي يدعو الى الشك والتساؤل والاستنتاج أنّ فريق العهد مستعد للتخلي عن الحريري مقابل الحفاظ على هذا «الثلث».

غير انّ مصادر الحريري تؤكد إصراره على قراره بعدم التراجع عن موقفه الرافض تمثيل النواب السنّة الستة في الحكومة الجديدة.

وفي هذا المجال تقول مصادر باسيل انه لا يتابع حالياً تطورات المواقف في شأن تشكيل الحكومة، وانّ ما يشغله هو الوثيقة الخطيرة التي تناقشها الامم المتحدة، ولبنان هو المعنيّ الاكبر بها، لأنها تحدد طرقاً تَفرُض فيها على الدول أساليب مُلزمة لاستقبال المهاجرين والنازحين. وأنه، اي باسيل، لهذا السبب يشارك في المؤتمر الذي دعت اليه الأمم المتحدة، ويمكن أن يحدد مصير اللاجئين والنازحين في لبنان.

غير أنّ كل هذا لا يعني أنّ تشكيل الحكومة ليس مهماً، بحسب مصادر باسيل «وإنما هناك أيضاً استحقاقات مهمة لا يمكن لبنان التخلّي عنها ودورنا كبير في معالجتها، وهي استحقاقات كنّا تمنّينا لو كنّا نديرها في ظل حكومة وحدة وطنية حقيقية ورئيس حكومة على رأسها، لأنّ المسألة أخطر ممّا يتصوّر البعض».

وتكشف مصادر باسيل لـ«الجمهورية» خفايا مَساعيه وتفاصيلها، مؤكدةً أنه كُلّف بإجراء مسعى لحل عقدة تشكيل الحكومة بعدما برزت عقدة ما سُمّي «الكتلة السنية المستقلّة». فبدأ مساعيه بالاجتماع مع الرئيس نبيه بري مرتين، وأجرى اكثر من اتصال مع «حزب الله»، واستقبل «بالمفَرّق» النواب السنّة الستة، واجتمع معهم علانية في دارة النائب عبد الرحيم مراد.

ثم استمر في التواصل مع الحريري من خلال اجتماعات واتصالات متعددة، وكانت الخلاصة مجموعة مقترحات لحلحلة هذه العقدة، على قاعدة أنّ رئيس الحكومة هو أوّل مَن طالب بتشكيل حكومة وحدة وطنية، وقد هدف مسعى باسيل الى تلبية رغبة الحريري في هذا الصدد، وبالتالي وضع المعايير التي تحققها.

وتلفت مصادر باسيل الى انّه عملاً بهذا المنطق تصبح الكتلة السنية الناشئة حديثاً كتلة صاحبة حق في التمثيل، على رغم ممّا وصفه رئيس الجمهورية وباسيل «العَيب الشكلي» الذي يعتريها. الّا أنّ عون عاد واستقبل اعضاء هذه الكتلة، وأبلغ اليهم انهم أخطأوا في الشكل، ولكنهم في النهاية هم أصحاب حق في التمثيل في الحكومة على رغم من هذا العيب الشكلي، ووفق هذه القاعدة تَوجّه باسيل الى رئيس الحكومة.

وتوضح المصادر نفسها انّ المشكلة هي انّ الرئيس الحريري يكسر القاعدة التي وضعها هو، عندما يقول إنه يريد حكومة وحدة وطنية يُمثّل فيها الجميع بحسب أحجامهم السياسية، ولكن باستثناء النواب السنة الستة. وتعتبر «أنّ الفشل في تشكيل الحكومة هو فشل للجميع، وليس للحريري فقط».

وتؤكد مصادر باسيل لـ«الجمهورية» أنّ طرحه «حكومة الـ 32 وزيراً» بإضافة وزيرين علوي وسرياني، رَفضَه الحريري وليس «الثنائي الشيعي». ما هو طرح برّي؟

وعن طرح برّي القاضي بتبادل عون مع الحريري مقعداً مسيحياً بآخر سنّياً، على أن لا يكون الوزير السني من «جماعة الرئيس». قالت مصادر باسيل انّ هذا الطرح هو «تسوية بين الطرفين المتنازعين على حساب رئيس الجمهورية»، متسائلة: «لماذا الاصرار في كل مرة على أن تكون التسوية بين الطرفين الشيعي والسني على حساب رئيس الجمهورية ووفق أي منطق؟

وموضحة أنّ عون «ليس في حاجة الى الثلث المعطّل، لأنه لن يستعمل هذا الثلث لتعطيل نفسه، أي العهد». وعن تشكيك البعض في نيّات العهد وفي دفاع باسيل عن حقوقه، تسأل المصادر: «هل أصبح الدفاع عن موقع الرئاسة والحصة التي كُرّسَت لها عُرفاً إساءة وموضع تشكيك؟» مضيفة أنها لا تبحث عن 11 وزيراً بل عن رئيس جمهورية كامل الحقوق فيما أصبح مكرّساً له عُرفاً.

وعن دعوة البعض عون الى «إنقاذ عهده»، تتساءل المصادر: «هل ينبغي على الرئيس التضحية بحقوقه لإنقاذ عهده؟» مُستنتجة أنّ الطرفين المختلفين في ما بينهما «متّفقان على أن يَحلّا أزمتهما على حساب الطرف الثالث، أي رئيس الجمهورية»، ومتسائلة عمّا «اذا كان هذا الأمر مسموحاً؟».

علاقة باسيل ـ الحريري

وتؤكد مصادر باسيل أنّ «لديه إيماناً مطلقاً بأنّ الحكومة ستؤلّف في نهاية المطاف، وهو مُصرّ على مبادراته، وما زال على تواصل مع الحريري على ان لا يكون تأليف الحكومة مجرد قرار «شَكلي» فقط، لنعود ونصطدم بالمضمون بعد تشكيلها فتفشل».

وتؤكد مصادر باسيل انّه «ما زال يسعى لإتمام تشكيلة وزارية متوازنة وقادرة على الانتاجية وليس حكومة تعطيل، بحيث تعطّل نفسها بنفسها ولا تصل الى مكان»، لافتة الى «أنّ اللبنانيين ينتظرون من الحكومة «الافعال» فلا تكون حكومة صوَرية نفرح بها، ولكنها غير متوازنة أو متناغمة أو غير منتجة وغير متّفقة على الخطوط العريضة او على البيان الوزاري. وإلّا أيّ حكومة نكون قد ألّفنا؟».

وتؤكد مصادر باسيل أنها لا تزال تعتبر الحريري رئيساً مكلّفاً، وهو الاكثر شرعية في تَولّي رئاسة الحكومة، «ولذلك نحن نريده أن ينجح، وأن يشكّل حكومة وحدة وطنية على أساس التوازن».