لبنان قد دخل بالفعل بأزمة سياسية مفتوحة عنوانها الخلاف على تشكيل الحكومة وباطنها أبعد من ذلك بكثير
 

المشهد السياسي لبنانياً في هذه الفترة يستيعد ما كان عليه بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، اذ عاد الخطاب المتشنج العالي النبرة، والذي يحمل في طياته الاتهامات المتبادلة بالإضافة الى مفردات التخوين، فتحريك مثل هذه الحملات التصعيدية المشبوهة في غمرة هذا التوقيت السياسي المتأزم يحمل في طيّاته أكثر من تساؤل واستفسار واحتمالات متشائمة من أن يؤدي إلى حملات تصعيدية متبادلة بين الأطراف المختلفة على مسألة تشكيل الحكومة والحصص المطروحة من قبل كل طرف فيها، لأن مؤشر تحريك مثل هذه الحملات، لا يدل على نوايا سليمة لتذليل الصعوبات وتقريب وجهات النظر وتسهيل ولادة الحكومة بأقرب وقت ممكن، بل يدل على نوايا مبيتة ومحاولات مكشوفة لإرغام الخصوم على القبول بالشروط المطروحة تحت ضغط التوترات والحملات والاضطراب السياسي المتواصل واذا كان الخلاف الحاصل يتجاوز مسألة توزير ممثّل عن النواب السُنة والحصص المطروحة إلى أبعد من ذلك، وتحديداً لإحكام القبضة على المسار السياسي والدستوري لمسألة تشكيل الحكومة خلافاً للأسس الدستورية، فهذا يعني ان لبنان قد دخل بالفعل بأزمة سياسية مفتوحة عنوانها الخلاف على تشكيل الحكومة وباطنها أبعد من ذلك بكثير.

ومع التعثر في ولادة الحكومة التي لم ولن تفتح الطريق أمامها في المدى المنظور، فإن لبنان متجه الى التصعيد وما جرى في الجاهلية هو أحد أوجهه اذ عاد حزب الله ليطلب من حلفائه تنظيم صفوفهم للمواجهة السياسية، فجو الانقسامات السياسي هو ما يسود في هذه المرحلة التي تزداد تعقيداً مع التأخير في تشكيل الحكومة والعراقيل التي تواجهها.

إقرأ أيضًا: مصير الحكومة المُعلّق… ماذا بعد؟

واذا كانت المواقف الصادرة في الايام القليلة الماضية تؤكّد أنه تم الى حد بعيد احتواء الموضوع أمنيًّا، الا أنّ أحدا لا يمكنه أنْ يحسم شكل وحجم تداعياته السياسيّة، خاصة بعدما تبيّن للقوى السياسيّة أن الأمور قد تخرج عن نصابها في أيّ لحظة ما يستدعي المسارعة لتحصين وضع البلد من خلال التفاهم على حكومة فاعلة. كما أنه لم ينسَ أحد بعد أنّ المظلّة الدوليّة لا تزال تخيّم فوق لبنان، وبالتالي فهي لا تزال تعمل بشكل تام وليس من السهل خرقها من قبل أطراف خارجية، فكم بالحريّ أن يتمّ خرقها من أطراف داخلية؟ انها مهمة شبه مستحيلة. 

كل هذه الأسباب وغيرها، أدّت الى منع تفاقم الوضع الأمني حدّة لكن على الرغم من ذلك يبقى مصير الحكومة على كفّ عفريت، فان كانت عمليّة الجاهليّة حركت المياه الراكدة وحرفت الأنظار قليلا عن "العقدة السنّية" المستعصية حتى الساعة، الا أنّ الخوف الحقيقي هو من أن يتطور الكباش الحكومي الذي حرص حزب الله على حصره في الشارع السني الى كباش سني شيعي مباشر يطيح بسنوات من "ربط النزاع"، لأن فـي مـجتمعنا، هناك دوماً مَن يـحاول تفسيـر الأمور وفق ما يريد، لأنّ فائض القوّة سيطر على كل ما عداه، وفرض سلوكاً مهيمناً ومهيناً لباقـي الأفرقاء، من دون رادع. لذلك الواجب الوطني الأساسي الملقى على كل القوى السياسية في هذه المرحلة هو المحافظة على السلم الأهلي.