سال حبرٌ كثير في الأيام التي سبقت وواكبت وأعقبت «زيارة الأعتاب الرسولية» التي شارك فيها وفدان روحي وعلماني. لكن أبرز ما أنتجته هو الحديث عن بعد الحلّ السياسي في سوريا ومصير الأسد والنازحين والفرز المذهبي والمتورطين فيه. وتصويباً لمضمون ما نُشر، تحدّث تقرير دقيق عن مضمون اللقاء بين وزير الخارجية بول ريتشارد غالاغر والوفد الروحي، فما الذي تضمّنه؟
 

إنتهت «زيارة الأعتاب الرسولية» التاريخية التي غاب اللبنانيون عن تنظيمها اكثر من ثلاثة عقود ونصف قبل أن تنظّمَها البطريركية المارونية هذا العام بوجهها الروحي الشامل والواسع، ومعها المؤسسة المارونية للإنتشار التي شكلت وفداً نيابياً من مختلف الطوائف اللبنانية.

فالذين تحدثوا عن «استدعاء» الكنيسة المارونية الى الفاتيكان «لتأنيبها» وفرض تغييرات تقلب الدنيا رأساً على عقب، خاب ظنُّهم. ومَن تفاءلوا بالزيارة وقبول الفاتيكان بتشكيلة روحية ونيابية وحزبية تمثل جميع اللبنانيين من مختلف طوائفهم ومذاهبهم لم يتوقعوا ما شهدوه من ترحيب وإعادة تأكيد وتجديد لموقف الفاتيكان الداعم للبنان بـ «وجهه الرسالي» كما وصفه قداسة البابا القديس يوحنا بولس الثاني.

والى جانب الإهتمام الذي حظيت به الزيارة سواءٌ لدى قداسة البابا فرنسيس أو القيادة الروحية في الفاتيكان، فقد شهدت بعض اللقاءات إضاءة ساطعة على كثير من الحقائق التي أحيت المخاوف والهواجس التي تقضّ مضاجع اللبنانيين، ولا سيما تلك المتصلة بنتائج الأزمة السورية التي دخلت عامها الثامن من دون أيّ أفق يوحي بإمكان بلوغ الحلّ السياسي ووقف لغة المدافع والطائرات وكل انواع الأسلحة.

وبعدما إنتهت الزيارة وما تلاها من نقاش وجدل حول ما شهدته جلسات العمل من حوارات استدعت قيام وزير الخارجية جبران باسيل بزيارة استثنائية وعاجلة الى الفاتيكان للوقوف على ما تردّد. وقد كشف مرجع شارك في هذه اللقاءات في تقرير وضعه توثيقاً للزيارة، الوقائع الآتية:

- ثناء واحترام فاتيكاني لما قدّمه لبنان عند استضافة النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين. وهو ما يعلي شأن كرامة الإنسان كأولوية قصوى مع موجب صون سيادة وأمن لبنان القومي ونموذجيّته كبلد تعدّدي.

- التأكيد أنّ الفاتيكان والعالم يعلمان جيداً أنّ لبنان مثقل بأعباء النازحين واللاجئين، لكنه مدعو الى اعتماد سياسة عامة موحّدة تجاه أزمة النزوح بعيداً عن استنفار العصبيات ونشوء توترات بين النازحين والمجتمعات المضيفة مع أهمية عدم استغلال المأساة الإنسانية في اللعبة السياسية.

- إنّ لبنان مدعو بالإضافة الى وضعه هذه السياسة العامة الى اعتماد دبلوماسية متكاملة للتاثير على صناعة القرار حول قضيتي النزوح واللجوء بمنطق التعاون مع المجتمع الدولي وليس المواجهة معه.

- إنّ الكنائس اللبنانية مدعوّة الى المزيد من التعاون لخدمة اللبنانيين كما النازحين واللاجئين.

- ضرورة وعي اللبنانيين «أنّ الحلّ السياسي سيتأخر في سوريا». وأنّ الرئيس السوري بشار الأسد «باقٍ في الحكم طالما أنه لا أفق سياسياً للحل». وهو «لا يريد عودة النازحين متذرِّعاً بأسباب شتى».

- يجب أن نعي أنّ هناك «فرزاً ديمغرافياً وطائفياً ومذهبياً يجري في سوريا». وهو «ما يرفضه الفاتيكان في كل زمان ومكان». وإنّ «النظام متورّط وحلفاءَه في هذا الأمر». والأخطر أنّ «المجتمع الدولي لم يبذل الى اليوم أيَّ جهد كافٍ لفرض حلٍّ سياسي». ولذلك فإنّ عودة النازحين بالنسبة اليه مرتبطة بتوفّر «الضمانات الشخصية والحياتية والاجتماعية والإنسانية والمادّية» ليعود هؤلاء الى بلدهم في افضل الظروف الأمنية وموفوري الكرامة.

- إنّ الولايات المتحدة الأميركية تبقى الأكثر تاثيراً في تسريع الحلّ السياسي والمساعدة في تسهيل عودة النازحين بضمانات من الأمم المتحدة. فلها قناتُها المفتوحة مع روسيا. لكنّ السؤال الأخطر والأهم هل هذا هو توجّه النظام وروسيا لإنجاز حلٍّ سياسي؟ وهل إنّ تجربة إدلب مشجّعة؟

- الأوروبيون يقدّمون مساعدات انسانية ولن يدخلوا مسار تمويل الإعمار قبل إنجاز الحلّ السياسي على قاعدة «المرحلة الانتقالية»، وهم ملتزمون أخلاقيات حقوق الإنسان واللاجئين.

- السعي الى وضع سيناريو دبلوماسي متكامل للبحث في حلول عادلة لا تكون على حساب قضيتهم ولا على حساب لبنان، والتعاون على إبقاء خدمات الأونروا قائمة بحدّها الأدنى.

أمام هذه الصيغة المتكاملة التي تناولت ملفّ النزوح السوري واللجوء الفلسطيني بكل وجوهه لا يكتفي المرجع بابداء القلق إزاء ما هو متوقع من سلوك المسؤولين اللبنانيين، لا بل يشكّك بوعيهم لحجم المخاطر المترتبة على أيٍّ من النتائج الكارثية التي لن تراعي مصالح اللبنانيين ولن تقيسها بأيِّ معيار. ولذلك فإن التقت إيجاباً سيكون ذلك بالصدفة لكن ما هو مرجّح انها ستخرج على كل إطار يضمن مصلحة لبنان، وسيكون الثمن اغلى ممّا يتصوره أحد ما لم يبادروا الى البحث عن المخارج والحلول الممكنة وهي معروفة إن صدقت وصفت النوايا.