تتقدّم مصالحة الجبل التي قادها رئيس الحزب «التقدمي الإشتراكي» وليد جنبلاط مع البطريرك الماورني الكاردينال نصرلله صفير في مطلع آب 2001، على مصالحتي معراب في 2015 بين «التيار الوطني الحر» و«القوات اللبنانية» وبكركي في 2018 بين تيار «المردة» و»القوات اللبنانية»، كمصالحة وطنية مقابل مصالحتين سياسيّتين مسيحيتين، فمصالحة معراب كما مصالحة بكركي مطلوبتان لطيِّ صفحةٍ أليمة في التاريخ السياسي والمسيحي، ونقل الصراع إلى التنافس السياسي أو التحالف السياسي، لكنهما ليستا في مكانة مصالحة الجبل، حيث المصالحة تطال الطابع الوجودي والتاسيسي للبنان ومكانة الجبل فيه، وتطال مكانة المسيحيين والدروز وعيشهما المشترك في الجبل، بعد جرح عميق أصاب الجبل وقسّم جغرافيته وديمغرافيته، وتسبب بتهجير عشرات الآلاف من سكانه، وبفرز قراه وبلداته ومدنه على اساس طائفي، وجاءت المصالحة لتعيد الحياة الطبيعية بين مكوّناته وتعيد التأسيس للجبل كقاعدة للعيش المشترك بين الطوائف اللبنانية.

لا شك في أنّ إرادة المصالحة تعبيرٌ عن نيّة صادقة وعزيمة جدّية للإنتقال بالجبل من حال الأحادية الطائفية والسياسية وما ترتّبه من عجز وطني وضعف إقتصادي، إلى حال التعدّد السكاني والإجتماعي، الذي لا يكتمل من دون التعدّد السياسي، إلّا أنّ السنوات التي مضت على المصالحة تقول إنّ هذا التعدّد المطلوب لا يترسّخ من دون نجاح السياسيين بإقناع المواطنين المسيحيين المهجرين بأنّ العودة إلى الجبل مُجدية ومشرّفة وممكنة، وإقناع المقيمين من الدروز بأنها مصلحة وضرورة وحق، وليست هبة ولا منّة، ولا خياراً، فعندما تصير العودة بالنسبة للمسيحيين مجرّد خيار آمن، ينقصه الشعور بالندّية والحرية، فهم الذبن قالوا ببساطة إنهم لن يعودوا كضيوف، وعندما يخشى المواطنون الدروز أن تكون العودة المسيحية بعنفوان، هي تجديد لخطر التحدي الذي مثلته الحرب فهم لن يتفاعلوا بفرح وترحيب مع العودة.

يؤكد الزعيم وليد جنبلاط في كل مناسبة حرصه على تحصين المصالحة، ويراها الإنجاز الأهم له على الصعيد الوطني، وهو محقّ بذلك وموضع تقدير، لكنّ الأكيد أنّ الشريك المسيحي الذي تستطيع بكركي وسيّدها تأمين المظلّة له، لا تستطيع بكركي الحلول مكانه، فهو الطرف المسيحي الفاعل بين أبناء الجبل، وفي ظلّ وجود رئيس للجمهورية هو العماد ميشال عون الحريص على الوحدة الوطنية والمدرك لأهمية الجبل وشريكي الحياة فيه من مسيحيّين ودروز، في صناعة التماسك الوطني للبنان، والقادر على منح الثقة للمسيحيين بصدق ما يقول، والواثق من صدق علاقته ببكركي وسيدها، والموثوق من القوى السياسية الفاعلة في الجبل وعلى رأسها «التيار الوطني الحر» الذي يمثل الرئيس في وجدانه مكانة الأب الروحي المؤسّس، تتوافر فرصة لتحصين المصالحة بالمصارحة، وتجنيد مؤسسات الدولة لترجمة كونها حاجة وطنية بخطوات إنمائية وسياسية وأمنية وإجتماعية.

المصارحة تعني البحث عن كيفية بلوغ المواطنين من دروز ومسيحيين وسنّة وشيعة يتقاسمون العيش في الجبل، حالة الشعور بصدق معاني المواطنة، كمساواة بين أبناء الجبل بصفتهم مواطنين، لهم حق التمتع بميزات متساوية لهذه المواطنة، وهذا يعني تساوي التقدّم الى الوظائف ونيلها، وتساوي الحصول على الموارد الطبيعية وحقوق إستثمارها والإفادة منها، والتساوي في الشعور بأمن التنقل والتحرّك والإقامة، والأمن الإجتماعي للمساهمة في البناء والإستثمار، وصولاً للتشارك في العمليات الإقتصادية والعلاقات الإجتماعية بعيداً عن ما تفرضه المجاملة السياسية، إلى حيث يكون التشاركُ فعلَ مصلحة وحاجة متبادلة وشعوراً بالندية والثقة والأمن.

 

الحاجة ملحّة ليرعى فخامة الرئيس وبحضور الزعيم وليد جنبلاط، ورئيس «التيار الوطني الحر» ورئيس حزب «القوات اللبنانية» وتمثيل بكركي والمرجعيات الروحية والسياسية في الجبل ونوابه، حواراً وطنياً إنمائياً يترجم بخطط للإنتقال بالجبل من مصالحة لا تزال تبدو في النصوص إلى مصالحة نريدها في النفوس، ومن مصالحة تعيش المراوحة، إلى مصالحة تعمدها المصارحة، ومن مصالحة تعيش على صدق النوايا، إلى مصالحة تضيء العتمة في المظلم من الزوايا.

وحدها هذه المصالحة عندما تصير شعبية نصير نحن قادة، ويصير لبنان وطناً، نستحق أن نكون أبناء له ويستحق أن يعيش فيه أبناؤنا، هو الإمتحان الوطني الكبير، ما لم نفز به في زمن القامات الوطنية الكبيرة فسنبقى عاجزين عن النهوض من حفر الماضي، مهما تحدّثنا عن قمم المستقبل.