هل صحيح ما يتردّد في بعض الأوساط عن أنّ الرئيس ميشال عون أراد قَصْداً تظهير تمايزه عن «حزب الله»، في عملية تركيب «البازل» الحكومي، لئلّا تذهب الدولة كلها في جريرة العقوبات ضد «الحزب» وإيران؟ وإذا كان ذلك صحيحاً، فما هو موقف «الحزب»: هل يجد في هذا التمايز مصلحةً وحمايةً له، أم إضعافاً واستفراداً؟
 

يقول أحد الخبراء: «إذا كان الخلاف السياسي «حقيقياً» بين الرئيس عون والأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله، فإنّ ذلك لن يكون أمراً محلياً عابراً، بل سيكون من مؤشرات انتهاء مرحلة في لبنان وبداية مرحلة أخرى.

فالزواج بين الحليفين الماروني والشيعي لم يكن «زواج مُتعةٍ» في الأساس، بل بُنِي على المصلحة المشتركة: أنتَ تحميني حيث أحتاج وتُوفِّر لي التغطية، وأنا أحميك حيث تحتاج وأوفّر لك التغطية. والطرفان ما زالا يحتاجان اليوم إلى الحماية المتبادلة وسيبقيان كذلك، إلّا إذا حدثت انقلابات غير متوقعة في معادلات الشرق الأوسط».

لذلك، الكثيرون ما زالوا يعتقدون حتى الآن أنّ الخلاف بين الطرفين ليس مجرد «تكتكة» سياسية يعتمدانها، ضمن الهوامش المتاحة بين حليفين. حتى إنّ البعض لا ينفي تماماً احتمالَ وجود تقاسم للأدوار بينهما «تحت الطاولة» بغية خلق أزمة يمكن أن يطول أمدُها بعض الوقت، بهدف تعطيل ولادة الحكومة حتى زوال غبار العقوبات وانقشاع الرؤية.

لكنّ المُطّلعين يؤكدون أنّ المناوشات التي جرت بين الطرفين تبدو أكبرَ من مجرد «تكتكة» سياسية. فعون بادر إلى مفاجأة «الحزب» بمواقفه الصادمة في مسألة تمثيل سنّة 8 آذار وما أحاط بها. وقد بدا فيها واضحاً ولا يتردَّد، ما يعني أنها مقصودة تماماً.

إلّا أنّ «الحزب» لم يشأ أن يأخذ الأمور على محمل الجدّ في الأيام الأولى، وفضَّل القول إنها «زلّة لسان» وقع فيها الرئيس. ولكن، تبيّن أنّ القصر لم يتراجع عن مواقفه بل أكدها، مدعوماً برئيس الحكومة المكلّف.

ومنذ «تفاهم مار مخايل» وحتى اليوم، تجنّب الرجلان تبادل الانتقاد شخصياً في أيّ مسألة. لكنّ تفاصيل كثيرة اختلفا عليها، سواءٌ منها ما يتعلق بإمرار مشاريع وتعيينات في مجلس الوزراء أو بالتحالفات الانتخابية، حيث وضع «التيار الوطني الحر» يده في أيدي مرشحين شيعة، في مواجهة مرشحي «الحزب»، كما هو الوضع في جبيل.

إجمالاً، كان عون يحاول أن ينأى بنفسه عن المواجهة مع نصرالله تاركاً للوزير جبران باسيل أن يتصرَّف. وحتى عندما وقعت الأزمة في العلاقة بين باسيل والرئيس نبيه بري، تضامَن «الحزب» مع شريكه الشيعي لكنه لم يشأ توتير العلاقة مع الحليف المسيحي.

وفي نظر العارفين، لا مشكلة لدى «حزب الله» في أن تقع الخلافات على التفاصيل بينه وبين حليفه المسيحي، إلّا أنّ السقف الواجب التزامُه هو التمسّك بالخيارات الاستراتيجية.

وبالفعل، يحرص عون و»التيار» على أن يبقيا في صلب المحور الحليف لـ»حزب الله». فرئيس الجمهورية يدعم المقاومة ويدافع عن مشروعيّة سلاحها، عربياً ودولياً، ويستعدُّ للانفتاح الواسع على دمشق بعد ولادة الحكومة. وما يريح «الحزب» هو أنّ عون يوفِّر له التغطية الدولية التي يريدها.

ولكن، للمرّة الأولى، سُمِعت في أوساط 8 آذار انتقادات لرئيس الجمهورية وفريقه السياسي تتجاوز «التكتكة» السياسية. وطرح البعض أسئلة عمّا إذا كان عون وفريقه السياسي يتقصَّدان النأي بالنفس- إلى مسافة معيّنة - عن «حزب الله»، مع بدء الجولة الجديدة من الضغوط الأميركية على إيران و«الحزب».

طبعاً، لا يجرؤ أصحابُ هذا الكلام على التمادي إلى حدّ القول إنّ عون وفريقه السياسي انتقلا إلى التناغم مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيّين والعرب، على حساب تحالفهما مع «الحزب». فهذا الاحتمال غير وارد حتى إشعار آخر. لكنّ هؤلاء يعتقدون أنّ عون - من موقعه في رئاسة الجمهورية وبما يحمله من رمزيّة- ربما يسعى إلى تمييز نفسه عن «الحزب» بدرجةٍ «مقبولة» سياسياً، أي من دون المسّ بثوابت العلاقة بين طرفي تفاهم مار مخايل.

وفي المرحلة المقبلة، سيشتدّ ضغط الولايات المتحدة على لبنان واقتصاده الذي هو اليوم في أسوأ الظروف. ويرى البعض أنّ اعتماد رئيس الجمهورية موقفاً متمايزاً- في بعض التفاصيل- عن «الحزب» من شأنه أن يحمي الدولة اللبنانية ومؤسساتها ومرافقها واقتصادها، وخصوصاً القطاع المالي والمصرفي، لأنّ شمولها جميعاً بالعقوبات لا يمكن لبنان أن يتحمّله.

وفي أيّ حال، إنّ سيناريو من هذا النوع لن يكون لمصلحة «حزب الله» نفسه أيضاً. فـ»الحزب» يحتمي اليوم بالمظلّة الوطنية الجامعة، ولذلك هو يريد تركيبة تضمّ الماروني القوي في طائفته (عون) والسنّي القوي في طائفته (الحريري). وليس من مصلحته الاختلاف معهما لأنه سيجعل نفسَه معزولاً عن الإجماع الوطني.

المشكلة هي: عندما تشتدّ الضغوط على لبنان، من واشنطن وحلفائها الدوليين والعرب، من أجل فكّ ارتباط الدولة اللبنانية بـ»حزب الله»، تحت طائلة شمول الدولة كلها، بمؤسساتها ورجالها، بهذه العقوبات، ماذا سيفعل المسؤولون؟

إذا اتّجهت العقوبات نحو خيارات صعبة، ومنها مثلاً: تعطيل البنود التي تمّ إقرارُها في مؤتمرات الدعم، مقاطعة وزارات ومؤسسات لها علاقة بـ«حزب الله»، سحب ودائع من لبنان وحظر التعاطي مع بعض المسؤولين اللبنانيين، ما يشكّل خطراً على البلد ومؤسساته، فكيف سيتصرّف المسؤولون المعنيون بالتحالف مع «الحزب»؟ هل يتشبّثون بتحالفهم معه أيّاً كان الثمن، أم يمايزون مواقفهم ضمن حدود «مقبولة» لإمرار العاصفة بأقل ما يمكن من الأضرار؟

وفي المقابل، السؤال المُهِم هو: إلى أيّ حدّ يتحمّل «حزب الله» أن يبتعد رئيس الجمهورية عن مواقفه، أو «يتمايز» عنها، من دون أن يَعتبر ذلك اختلافاً أو افتراقاً في السياسة يستأهل الردّ بكل الوسائل. ولدى «الحزب» ما يكفي من الأوراق التي يمكن استخدامُها في هذا الردّ. والنماذج وفيرة في هذا المجال.

في هذه المرحلة، يعيش «الحزب» مرحلةً حسّاسة جداً. فهو يدرك أنّ الضغوط عليه ستتفاقم يوماً بعد يوم، وأنّ حلفاءه سيكونون من نوع «الانتحاريين» إذا أصرّوا على الصمود معه 100%، في السرّاء والضرّاء، مُتَحَدِّين العقوبات والضغوط كلها.

القريبون من عون يُطَمْئنون الذين يسألونهم عن هذه المسألة، ويؤكدون أن لا لزوم لرسم السيناريوهات حول واقع العلاقة ومستقبلها بين الرئيس و»التيار» و»الحزب». فـ»غيمة الصيف» ستَعْبُر في سماء الحليفين، من دون أن تترك أيَّ أضرار. لكنّ المهم عبور البلد أيضاً.