انتظر «حزب الله» أن ينهي الجميع شروطه ومفاوضاته حول تشكيل الحكومة اللبنانية ليعلن شرطه المستجد المتمثل بتوزير شخصية سنية قريبة منه. هذا الانتظار هو جزء من ممارسةٍ دأب الحزب على اعتمادها. فهو يدرك أن لدى الأطراف في لبنان ما يكفي من خلافات تصرّف له حاجاته التعطيلية وتعلق الحياة العامة، وهو إذ كان منتظراً بارتياح معارك التوزير الضارية، اضطر بفعل وصولها إلى نهاياتها إلى أن يشهر شرطه الجديد، وهو يدرك أن أطرافاً كثيرة لا يسعها قبوله بعد كل ما قدمت من تنازلات.

ليس الوزير السني هو ما جعل الحزب يستيقظ في مفاوضات التشكيل. وحده «حزب الله» من بين الأطراف اللبنانية من يراقب مشهداً أوسع من لبنان، في سياق مساعيه لضبط الوضع الداخلي بما ينسجم مع موقعه الإقليمي. والحزب بهذا المعنى أمام مشهد إقليمي متحرك، يحتاج فيه إلى تعليق الوضع بانتظار أن تتكشف الشروط الجديدة. الحزمة الثانية من العقوبات الأميركية على ايران، وهي الأشد قسوة، بدأ سريانها. وحكومة لبنانية تتولى تصريف حاجات الحزب في ظل هذه العقوبات يجب أن يكون له فيها ما يؤمّن ليس غالبية وزارية وحسب، إنما أيضاً مواقع قوى في داخلها تتيح له التحرك لامتصاص تبعات العقوبات عليه، بصفته الذراع الإقليمية الأبرز لطهران.

والحزب يدرك أن لا أحد في لبنان يمكنه الوقوف في وجهه. الانتخابات النيابية الأخيرة أمّنت له غالبية نيابية تتيح له فعل ما يشاء، إضافة إلى أن كل خصومه منهكون. سعد الحريري انحسر تمثيله، وسمير جعجع وحيداً في مواجهة ميشال عون ووليد جنبلاط لا ينشد أكثر من مقعد إضافي.

إذاً والحال هذه، ما الذي يُجبر الحزب على قبول حكومة، أيّ حكومة، في ظل شعوره بأن ثمة واقعاً إقليمياً متحركاً عليه أن ينتظر رسوّه على مشهد واضح ليقرر شكل الحكومة التي يُفترض أن تتعامل معه. لا أحد يمكنه مقاومة ما يريد الحزب. الاختناق الاقتصادي الضاغط على الجميع في ظل تعليق تشكيل الحكومة لم يكن يوماً جزءاً من حسابات «حزب الله»، والفراغ السياسي في ظل حكومة تصريف الأعمال هو أكثر ما ينشده الحزب. إذاً، لا بأس بعقبة جديدة تطيل أمد هذا الفراغ.

من السذاجة عدم الاكتراث بحدث بحجم بدء سريان حزمة العقوبات الأميركية الثانية، في سياق تفسير إشهار «حزب الله» شرطه الجديد لتشكيل الحكومة. والحزب بهذا المعنى لم يتصرف بما لا يتيح له حجمه أن يتصرف به. هو القوة الوحيدة تقريباً في لبنان، فلماذا يعطي لبنان حكومة قد تقاوم رغباته في الالتفاف على العقوبات. صحيح أن أحداً لن يجرؤ على فعل ذلك مهما كان شكل الحكومة، لكن المطلوب اليوم أكثر من ذلك. المطلوب حكومة تقاوم العقوبات، وتقاوم الشروط الدولية المستجدة. وبهذا المعنى لا يكفي أن تكون حكومة مُطوّعة، إنما حكومة منخرطة في مسار الالتفاف على العقوبات. الوضع الإقليمي يتيح للحزب أن يكون طموحاً إلى هذا الحد، والوضع الداخلي يتيح له ذلك أكثر. بدأت العقوبات ومساراتها تتكشف. شكل المواجهة بين واشنطن وطهران سيتضح قريباً. الحكومة اللبنانية ستتشكل بموجب ما يستجد. الانتظار لن يكون طويلاً على الأرجح. لكن القصة هناك، في مضيق هرمز، وليست على الإطلاق في رغبة الحزب بتمثيل حلفائه السنة في الحكومة.