بعد أيام تعلن واشنطن حزمة جديدة من العقوبات على إيران، صاغها المسؤولون في إدارة الرئيس دونالد ترامب لتكون شديدة القسوة وموجعة الى الحدود التي تجعل حكام طهران يرضخون للجلوس الى طاولة المفاوضات وصوغ تفاهماتٍ سياسيّة سرّية في الشرق الأوسط.
 

وفيما تتوقع الأوساط الأميركية تراجع نموّ الاقتصاد الإيراني الى 3,6%، فإنّ الرهان هو على أن تشكل النسخة الجديدة من العقوبات الأميركية ضربةً قوية للاقتصاد الإيراني الذي كان يأمل منذ سنتين جني ثمار توقيع الاتّفاق النووي وهو ما بشّر به وراهن عليه التيار الإصلاحي الإيراني.

في المقابل لا يقلّل الإيرانيون من عمق الأزمة الاقتصادية جراء سياسة العقوبات التي تتّبعها واشنطن، لكنهم في المقابل لا يبدون قلقاً، أو بالاحرى هلعاً، نتيجة معطيات عدة ابرزها:

أولاً- فشل الرهان الأميركي على تزايد الانشقاقات الداخلية وتصاعد الضغط الداخلي على السلطة، لا بل على العكس فإنّ الإيرانيين، وكما في محطات التهديد الخارجي، يتقاربون ويتوحّدون.

ثانياً- بوشر العمل على إعادة سدّ حاجات السوق من الانتاج المحلي. وهو ما تمّ تطبيقه بنجاح خلال مرحلة العقوبات السابقة ويجري العمل على استعادة الخطة نفسها. بالتأكيد فإنّ الإنتاج الداخلي لا يعوّض بكامله، لا كمّاً ولا نوعاً، البضائع المستوردة، لكنه يسدّ الحاجة.

ثالثاً- وهو الاهم، أنّ طهران وجدت مَن يساعدها في تصريف بعض من إنتاجها النفطي. روسيا شكّلت منفذاً أساسياً، ولو انها ستستفيد من اسعار النفط الخام الإيراني المخفوضة.

وهذا يعني أنّ تصدير النفط الإيراني لن يصبح معدوماً وهو الخط الأحمر الذي كانت وضعته طهران وكانت ستقابله في حال حصوله بالشغب في مضيق هرمز وبالتالي منع تصدير النفط الخليجي. لكن صحيح أنّ روسيا أخذت على عاتقها استيرادَ جزءٍ من النفط الإيراني قبل تصنيعه وتصديره الى دول أوروبية تدرك جيداً أنّ مصدر النفط إيران، إلّا أنّ هذه المداخيل المتواضعة لإيران ستسمح لها بإبقاء دورتها الاقتصادية على قيد الحياة.

لكنّ مشوار العقوبات المشدّدة على إيران لم يعد طويلاً. فإدارة ترامب التي من المرجح أن تنجو من الانتخابات النصفية، تستعدّ لوضع ملفّين على طاولة التنفيذ فور إصدار النتائج: الملف الاول يتعلق بالتسوية النهائية الفلسطينية ـ الاسرائيلية، والثاني يتعلق بإرساء الحلّ السياسي في سوريا.

وفي الملفّين لا بد من مساعدة إيرانية، أو على الاقل، عدم إثارة الشغب من جانبها. ما يعني أنّ فتح ابواب التفاوض مع إيران لم يعد بعيداً في ظلّ فتح ملفي سوريا وفلسطين، وأيضاً اعتقاد الأميركيين أنّ تشديد الضغوط الاقتصادية على إيران من خلال العقوبات الجديدة سيسرّع في إنضاج قرار التجاوب الإيراني.
وخلال الايام المنصرمة ثمّة خريطة واقع جديد بدأ ترسيمُها وهي تعطي صورة واضحة عن المسار الذي تدفع واشنطن في اتّجاهه:

ـ رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو يزور مسقط على رأس وفد أمني وفي زيارة رسمية تمّ الإعلان عنها. بالتأكيد أنّ لهذه الزيارة علاقة بدور لسلطنة عمان للمساعدة في الملف الفلسطيني، ولكنها ايضاً في إطار المسارعة الإسرائيلية للسعي الى فتح قناة خلفية مع إيران طالما أنّ مرحلة الضغوط قد تبدأ بالتراجع بعد مطلع السنة المقبلة.

وكان لافتاً ما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولٍ إسرائيلي رفيع المستوى على دراية بتفاصيل زيارة نتنياهو لسلطنة عمان من أنه لا يستبعد أن تصبح مسقط قناة سرّية ليس فقط مع إيران، بل أيضاً مع سوريا. هذا من دون إغفال أنّ طائرة نتنياهو مرّت في الأجواء السعودية ذهاباً واياباً.

ـ زيارات رسمية وعلنية لوزراء إسرائيليين الى دولة الإمارات العربية المتحدة في مشهد تطبيعي واضح وكامل وهو ما كان ليحصل لولا موافقة السعودية، لا بل ومباركتها.

ـ دعوة واشنطن رسمياً، وعلى لسان وزير دفاعها، الى وقف اطلاق النار في اليمن والذهاب الى طاولة المفاوضات وذلك في غضون شهر.

ـ التركيز على الانتخابات المحلية في الجولان والتي تشكّل خطوةً أولى على طريق دمج الجولان بالكيان الاسرائيلي. صحيح أنّ التجاوب كان شبه معدوم لدى سكان الجولان، لكن ما حصل يؤشر الى بدء تطبيق خطة ابتلاع الجولان.

ـ تنظيم استطلاعات رأي في إسرائيل بعضها ركّز على رغبة الإسرائيليين في اختيار بلدان عربية لزيارتها. وجاءت الإمارات في الطليعة مع 13% ثمّ مصر 12% فالأردن 8 % وبعده لبنان مع 6 %. وبعضها الثاني ركّز على إمكانية حصول تعاون بين إسرائيل والدول العربية المجاورة.

وجاءت نسبة التأييد الإسرائيلي 70 %. اما البعض الثالث فتطرّق الى غزة وأجري مع ساكني القطاع الذين أبدى اكثر من نصفهم تعبهم من استمرار الواقع العسكري وتأييدهم التسوية مع إسرائيل وفتح الابواب امام الوظائف وإنعاش الاقتصاد. ووفق ذلك يراهن الاسرائيليون، والأميركيون، على أنّ التأثير الإيراني في غزة قابل للتراجع.

ـ القمّة الرباعية في اسطنبول والتي بحثت في الحل السياسي والدستور السوري الجديد قبل الحديث عن مشاريع إعادة الإعمار وسبل التمويل. ولكنّ اللافت أنّ الرئيس التركي بدأ التمهيد لدفع جيشه في اتّجاه شرق الفرات وهو اعلن أنّ التخطيط لهذه العملية بلغ المرحلة الاخيرة. وقد يكون ذلك في ترجمة لصفقة إطلاق القس الأميركي، ومن ضمن مشاريع ترتيب أدوار وحصص الدول في الخريطة الجديدة لسوريا والشرق الاوسط.

إدارة ترامب ترى أنّ التفاوض لاحقاً مع إيران سيضمن لها اعترافاً بنفوذها ودورها إن كان في اليمن أو حتى في سوريا، وبالتالي في لبنان. كما أن ليس مطلوباً مباركتها «صفقة العصر» التي أعيد تعديل نقاطها واصبحت في صيغة اكثر واقعية، ولكن المطلوب عدم معارضة إيران.

ولا شكّ في أنّ معطياتٍ عدة ساهمت في التعجيل بالبدء بالخطوات التمهيدية او التنفيذية للملفات المطروحة، واهمها على الاطلاق تداعيات اغتيال جمال الخاشقجي، وهو ما ألزم السعودية الإنكفاء والتعاطي بمرونة مع ملف اليمن، وفتح الطريق امام اردوغان في سوريا.

واما في لبنان، فإنّ الافرقاء السياسيين يتعاطون مع ملف تأليف الحكومة التي ستعمّر مبدئياً أربع سنوات من زاوية المحاصصة الداخلية والمعايير المضحكة ـ المبكية الجاري وضعُها، باستثناء «حزب الله».

الأفرقاء الآخرون يحتسبون على الاحجام والاستحقاق الرئاسي المقبل والمشاريع التي ستُطرح على طاولة الحكومة، اما «حزب الله» فيقارب المسألة من الزاوية الإقليمية والصورة الكبيرة الجاري رسمُها للمنطقة.

وفي خضّم «التمريك» ما بين «التيار الوطني الحر» و»القوات اللبنانية» حول النقاط الحكومية التي خسرها أو ربحها هذا الفريق أو ذاك، غاب عن الجميع كلام الامين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله منذ عشرة ايام حول شرطيه لولادة الحكومة: تمثيل السنّة المستقلين في الحكومة وإبقاء حقيبة وزارة الاشغال لتيار «المردة». وقوله إن لا ينصح بوضع مهل زمنية أمام ولادة الحكومة.

النزاع على فتات الحكومة كان اقوى من قراءة رسالة السيد نصرالله والوقوف على خلفياتها، ما جعل البعض يبشرون بولادة حكومة بعد ساعات.

وبخلاف الذين اعتبروا انّ كلام نصرالله للمناورة، فإنّ المناورة قد تجوز على لسان احد النواب، لكن على لسان الامين العام لـ»حزب الله» يكون إعلان قرار، ولم يحصل أن تراجع عنه قبلاً.

صحيح أنّ خلف «سكب» الماء الباردة على الحكومة شرطَي تمثيل الوزراء السنّة المستقلّين وحقيبة «الأشغال»، إلّا أنّ الخلفية مرتبطة بلا شك بالملف الإقليمي وتطوراته المتسارعة وهو ما يستوجب ربما الخروج من التفاصيل الداخلية الصغيرة الى العناوين الإقليمية الكبيرة.