الشيخ عباس الجوهري يتكلم عن صراع الأيديولوجيات في الشرق الأوسط
 

شارك رئيس المركز العربي للحوار والدراسات الشيخ عباس الجوهري في مؤتمر عن الحريات والعدالة الإجتماعية في الشرق عُقد بالعاصمة الفرنسية باريس. 

وتكلم الجوهري عن الحريات والعدالة الإجتماعية وأسس بناء الأوطان وصراع الأيديولوجيات وتأثيره على بناء الأوطان. 

وهذا نص كلمة الشيخ الجوهري في المؤتمر كاملة: 

"اتشرف بأن اكون واحدا من المتحدثين في ندوة نتحدث فيها عن اشكاليات السلطة و الدولة في شرقنا وللمفارقة اننا نقيمها هنا في باريس (الغرب الاوروبي) فلقد اضحت تضيق ذرعا بنا كل العواصم العربية عندما نفتح ملفات اعادة رسم الصورة للدولة المنشودة. والسلطة وحدودها وشرعيتها، في عصر التكنولوجيا المفتوحة و معها تصرعواصمنا المشرقية على ان تكون في وضع النعامة في التنكر لحركة المحيط توهما بعدم وجوده. 

ايها السادة لعلنا اذا طُلب منا الاجابة لفرنسي يدخل علينا في هذه القاعة سائلا ومستفسرا عن جمعنا وهمومه. لفهم و بدون عناء في الشرح اننا من ذلك الشرق المتالم الجريح الذي لم نتركه هربا من مسؤولياتنا الاخلاقية والتاريخية في تضميد جراحه. بل لان جراح كل منا التي يحملها قد تكون الحافز على العودة اليه مع قدرةٍ على بلسمة جراحه. 

أنا في بيروت كما في أي بقعة من هذا العالم احمل هموم كل بلادنا العربية والاسلامية، وبدون توهم بازالة الجغرافيا والتاريخ بل مع اصرار على حمل الهموم الفرعية التي لا تنفصل عن الهموم الاصلية وان تفاوتت الاولويات ولكي ندخل في موضوعنا في الدقائق المحددة لنا لنسفيد من عبقرية المكان.

هذا المكان الذي صنع فكر "فولتير" و" مونتيسكيو" و "جان جاك روسو" علنا نستفيد من اجواء تاريخهم في صناعة عبقرية، يكون الهدف منها استكشاف امكانية بلورة فكر جديد في العالم العربي بعد غربلة الفكر السابق والقديم وتمحيصه ونقده ، فنحن لا يمكن ان نعيش الى الابد على مائدة الفكر القديم.

ايها السادة لنبدأ بالاعتراف أمام معمودية العقل و المنطق السنا في الشرق لازلنا جماعات مزقتها الافكار الرجعية وجعلتنا اسرى الكهوف؟، اليس لكل جماعة كهفها؟،  ولغتها؟ ، وتمتماتها ؟ ... 

السنا في الشرق لا زلنا نعيش زمن القرون الاربعة الاولى الهجرية. وما انتجته عقول تلك الحقبة.  ونختلف على نفس العناوين التي اختلف عليها السلف . اي لا زلنا نعيش في التاريخ ولا نبرح منه ونؤجل سؤال المستقبل.

وحتى من فر منا من تلك العصور وحاول تلمس عصر التنوير مع ما رافق ذلك العصر من مرحلة استعمارية افقدت الكثيرين منا التوازن بين مقتضيات ذلك العصر بإدارته الغربية، وبين المحافظة على الهوية فسقطنا في التردد بين القبول بهذا الانفتاح على كل فلسفاته التي اتُهم روادها بالتغريب وبين من اراد المحافظة خوفا على الهوية فالتحق بالحركات الاحيائية و تمثل بالقول المشهور -  الاسلام هو الحل  - . 

كل الايديولوجيات التي حملها كل واحد منا متمسكا بكتابه سقطت وأصبحت  

بين مزدوجين بفضل الانتفاضات العربية والثورات التي حصلت من اجل الحرية 

 نعم" الحرية" ....

والعدالة الجتماعية ... نعم العدالة الاجتماعية.

ومحاربة الاستبداد والفساد والانظمة الشمولية المغلقة. 

دعونا هنا من السياقات التي دخلت فيها كل ثورات الربيع العربي.لكن هذا الزلازال الاجتماعي الذي تاخر ولكنه حدث، ستبقى تردادته قائمة. وهنا لا بد من الاشارة الى ضرورة البقاء في الساحة الفكرية والنضالية لمواجهة الايديولوجيات السرطانية التي يمكن ان تعاود طريقها الى جسم وعقل العالم العربي وأن نذهب الى مرحلة الابستومولوجيا المعرفية لتكون شعارا للمتنورين في السنوات العشرين القادمة. 

لقد آن الاوان للانتقال من عصر الصراخ و العويل و خطابات المآذن و الندب الى عصر التفكير المتوازن والرصين. والمسؤول في كل المنطقة العربية والا فإن العالم سيبقى ينظر الينا كأطفال من الناحية العقلية لما نبلغ سن الرشد بعد! ، كما كان يقول " كانط " عن المجتمعات الاوروبية قبل ان تستنير و تتقدم وتحرر من سقف القرون الوسطى ووصاية اللاهوت و الكهنوت. 

لقد فتح "ديكارت" فتحا مبينا في الفلسفة الغربية و بناء العقل الغربي الاوروبي من خلال طرحه ال " أنا افكر إذا انا موجود " مثبتا جواز شكه بكل شيئ  فكان هذا الشك هو الذي نقل اوروبا من عصر القيد و الانقياد الى عصر الحرية ،  من خلال تثبيت منهجه الفاحص والمتفحص لكل المفاهيم و الذي اخضع لها كل الموروث لاختبار بقاء الصلاحية او انتهائها. 

السنا بحاجة الى منهج جديد بطريقة التفكير في العالم العربي و الاسلامي نبدأ من خلالها بتفحّص مفاهيمنا ، هل لا زالت صالحة أم افسدها مرور الزمن فضلا على أن فسادها قد يكون من المنشئ.  لنبدأ بتفحص مفهوم الحرية كلنا تبجحنا به مفهوما  حملناه شعاراً.

العلمانيون وضعوه عللى كل الجدران التي صنعوا منها زنازين للفكر وقيداً للعقل 

(ما بقي و لا حيط في الشام ما كتب عليه  وحدة. حرية . اشتراكية) 

 والاسلاميون يتشدقون به على الاصل معتبرينه اصلا في صحة المعتقد و الدين والعبادة فقالوا لا صحة لعبادة بدون حرية أي لا صحة لعبادة مجبر. 

 ألم نأسر نحن الدينيون العقل و حرمنا عليه الدخول الى مساحات افردنا لانفسنا وحدنا السلطة فيها (سلطة رجال الدين)؟ .

والحرية ايها السادة هي المدخل الاساس لصناعة سلطة عادلة تنقاد لحكم القانون و دولة مدنية عادلة، تجعل من الحرية اداة في صيانة انحرافها ونزقها واستبدادها. 

لا زالت صورة ذلك صورة الشبيح تختصر المشهد عندنا عندما كان يجلد بسوطه ظهر ذلك الشاب الذي كان يخرج في ثورات طلب الحرية وهو يقدم اجابة الدولة الديكتاتورية لنا نحن المثقفين و المتنورين.   (بدكِن حرية  خِدو حرية)  

(مين ربك ولا) 

(حافظ  ربك و بشار) الحرية اذا اساس بناء السلطة العادلة والدولة العادلة، ولكن كنا نعرف اننا بمجرد حصولنا على شيئ منها وبحدود جغرافية معينة سوف نواجَه  دفعة واحدة بأطنان من المشاكل التي لم نعالجها نحن المثقفون على مدى ازمنة خلت. 

وكانت السلطة الشمولية الخبيثة تعرف ما نعرف من انه و بمجرد ترك بعض الحواضر متراجعة امام ثوار ليس بمقدورهم التفكير وليس من مهمتهم ، سوف تنبعث حركات داعشية، وحالشية، حشاشة وسوف تريح بذلك سلطة الاستبداد في مواجهة المتنورين الذي يمثلون الخطر الاوحد على عروش سلطة الاستبداد.

وهذا ما حصل بالفعل عندما صار المواطن البريئ الذي ينشد التغيير و يعرف سيئات واقعه والمناضل المقدام امام سلطة داعش أو العودة للقبول لسلطة الاستبداد المقنع بكرافتات وتنويع ادوار لادارة تنوع بدل ان تكون ثروة يجب ان  نتمسك بها  نحن المتنورون. تمسك بها النظام ليقمع اكثر بأيدي متنوعة. (وزير دفاع سني) – (وزير خارجية مسيحي) – (و داعم شيعي  =  لفيف من احزاب  طائفية). تلك هي سرطانات السلطة الشمولية وتلك هي الايديولوجيات التوتاليتارية  التي لا تعترف بعناصر التنوع و التعدد في العالم العربي بل هي من كانت حتى الامس تكبتها وتغطي عليها وكأنها غير موجودة. 

فبدل أن تكون التعددية والتنوع نعمة تصبح نقمة ، وبدل أن تكون غنى ثروة لبلادنا تصبح كأنها لعنة وعالة علينا وهنا لا بد لنا  ان نفتح الحوار عن التنوع و ادارته كمرتكز اساس في بناء الدولة العادلة والسلطة الرشيدة.

 من هنا لا بد من الاعتراف مجددا امام فضاء الله  الواسع والعقل والمنطق . 

هل استطعنا نحن المتنورون والمناضلون تجاوز هذه المعضلة؟ هل أمّنا أو أمِنِا على كل اقلية في بحر اكثري  في الحفاظ على خصوصيتها ام نمارس ما تمارس الانظمة المستبدة. 

(الاقلية الشيعية عندما تكون بين اغلبية سنية أو الاقلية السنية عندما تكون بين أغلبية شيعية). 

وهي تتفق على نفس الاهداف هل تستطيع التحرك بحرية، أم ما نعيب به الانظمة نقع به نحن المناضلون،  يبدو لي ان الانتفاضات العربية كشفت لي كل واقعنا في السلطة و الدولة و كشفت كل واقعنا الشعبوي والنخبوي في

المعارضة و مكامن ضعفنا لانها لم تكن مسبوقة بتنوير ديني حقيقي و لا بفهم لمعادلات الرياضيات السياسية. فسقطت في احضان الاصوليين من جهة وكشفت ان اللعبة الدولية والعالم الحر هو كذلك في داخل حدوده الجغرافية عنده أما عندنا فغمضت جفونه عن مجازر البراميل و الكيميائي و لن تفتح الا على توقيته ووفق اجندته فحذاري التسليم والاستسلام للاصولية من جهة وللوصوليين الدوليين والاقليميين والمحليين من جهة اخرى". 

الشيخ عباس الجوهري 

رئيس المركز العربي للحوار والدراسات في بيروت