لم يَعد من فول لوضعه في المكيول سوى حقيبة «العمل» بديلاً من «العدل». ولا يتعدّى الفارق سوى ما هو قائم بين الـ»ميم» و»الدال». فالحقيبتان هما من سلّة حكومية واحدة بعيداً من «التصنيف المُهين» للحقائب. والوقائع تقول انّ الأبواب أُقفلت أمام بديل بأهمية حقيبة «العدل»، وباتت المشكلة كامنة في طريقة العبور الى المخارج المحتملة. فكيف الوصول إليها؟
 

لا يوجد بين المسؤولين من يتجرّأ على تحديد موعد جديد لولادة الحكومة، فكل التطورات بخلفياتها السياسية توحي بمزيد من القلق الذي يُبعد إمكان الجزم بتاريخ محدد لها خوفاً من مطبّات مفاجئة. وما يزيد من نسبة القلق الذي يُعبّر عنه البعض انّ منطق الألغاز والمقالب ما زال قائماً ومتبادلاً بين بعض المواقع. فالتشكيك المتبادل بصدق النيّات ليس خافياً على كُثر، وليس أقل ما هو متداول من روايات ملخّصه: الى أين سيقودنا تَعنّت فلان أو فلان؟ والى متى يمكن الاستمرار باللعب على حدّ السكين؟ ولماذا يريد فلاناً أن يقودنا الى الانسحاب من المشاركة في الحكومة ويصرّ على منطق الإحراج للإخراج؟

وهذا الشعور مَردّه الفشل في تطبيق المخارج التي اقترحت لبعض العقد حتى الآن، خصوصاً بعدما رفض رئيس الجمهورية التخَلّي عن حقيبة «العدل» لـ»القوات» بعد أن أعاد إليها نيابة رئاسة الحكومة. ومردّ ذلك الى انّ عين عون و»التيار الوطني الحر» كانت - بحسب أحد العارفين - على حقيبة «الأشغال» بديلاً منها. وكان ذلك قبل بروز ضغوط جهات مختلفة للالتقاء على موقف جامع لم يتوافر حول مصير أي حقيبة أخرى. وطُرح يومها سؤال جدي عن الظروف التي قادت الى التوافق بين «حزب الله» والرئيس نبيه بري والتقائهما مع رغبة الرئيس سعد الحريري بإبقاء حقيبة «الأشغال» مع تيار «المردة»؟ فكان الرد بالتمسّك مجدداً بحقيبة «العدل».

ولتبرير هذه الخطوة وسحب الموافقة المبدئية التي أعطيت للرئيس المكلف حول هذه الحقيبة لتكون من حصة «القوات»، نشأت حملة إعلامية منظّمة للتأكيد أنها الحقيبة التي تشكّل إحدى الادوات التي سيخوض من خلالها رئيس الجمهورية، في «الحكومة الأولى» من ولايته، الحرب على الفساد. فهي الحقيبة المُشرفة على النيابات العامة والهيئات القضائية، وتلك التي يمكن أن تُلاقي وجود حقيبة الداخلية في يد فريق رئيس الحكومة ووزارة المال بيد رئيس مجلس النواب، ليكتمل عقد ثلاثية الأمن والمال والعدل. وعليه، كانت أولى الترددات اضطرار الرئيس المكلّف الى تغيير عَرضه على «القوات اللبنانية»، والبحث عن بديل من هذه الحقيبة التي عرضت عليها الى جانب حقيبتي «الشؤون الإجتماعية» و»الثقافة» ونيابة رئاسة الحكومة بلا «الحقيبة ـ التوأم».

وعلى وقع التشنّج السياسي الذي تسبّبت به الحملات الإعلامية المتبادلة بين «القوات» و«التيار»، بدأت مرحلة البحث عن حقيبة بديلة من «العدل». ولذلك، وجد الرئيس المكلف نفسه أمام هذه المهمة الصعبة، فهو كان قد أنجز قسماً كبيراً من عملية توزيع الحقائب، ولم يعد هناك حقيبة تساوي في أهميتها وتصنيفها وزارة العدل. فقبل ساعات قليلة، كانت التسوية مع «الحزب التقدمي الإشتراكي» قد أنجِزَت وسُوّي قسم كبير ممّا سُمّي «العقدة الدرزية»، التي أعطت في جانب منها قوة إضافية لرئيس الجمهورية بوضع الحقيبة الدرزية الثالثة في عهدته، كذلك بالنسبة الى «التيار الحر» الذي يقود رئيسه مواجهة شرسة مع «القوات»، فتنامى الشعور بالقدرة على محاصرتها، ونَمت العقدة المسيحية الى أن بلغت الذروة.

وأمام فقدان المخارج، سعى الحريري ورئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع جاهدين لتأمين بديل يوازي حقيبة «العدل»، وتحركت ماكينتيهما في غير اتجاه، وجرى بحث في استبدالها بحقيبة «التربية» التي كانت قد أعطيت لـ«الحزب التقدمي الإشتراكي»، وذلك في تسوية اعتقدا أنها ممكنة، فكان لقاء فاشل للوزير ملحم الرياشي مع النائب وائل ابو فاعور على وَقع نصيحة عون و«التيار» بالتفكير في إمكان الحصول على حقيبة «الأشغال» من تيار «المردة»، الحليف الجديد لـ«القوات»، فكانت محاولة فاشلة إضافية، حتى أنها وصفت بأنها «نصيحة ملغومة».

عند هذه المرحلة من البحث عن البديل تطلّعت «القوات» الى حقيبة «الإتصالات» المصنّفة ضمن حصة «المستقبل»، فكان جواب «بيت الوسط» أنّ هذا المطلب صعب لأنّ رئيس الحكومة لم يعد قادراً على التنازل اكثر ممّا أقدم عليه، فيما يواجه أزمة تمثيل «نواب سنّة 8 آذار» المتجددة، بعدما انطلقت المطالبة بتوزيرهم من الضاحية الجنوبية بعد عين التينة، على رغم اقتناع الرئيس المكلّف بأنّ مثل هذه الأزمة غير موجودة، وانّ على مَن يرشّح هؤلاء النواب أن يعطيهم حقيبة «من كيسِه»، وهو جاهز للتبادل كما فعل بإحدى الحقائب السنّية مع رئيس الجمهورية.

عند هذه المحطة من الاتصالات، باتَ أمام «القوات» حقيبة واحدة هي «العمل» بدلاً من «العدل»، ما يشكّل الفرصة الوحيدة للحل حتى هذه اللحظة. وهو أمر باتَ رهناً بقبول «القوات». وقد تبلّغ الحريري، أمس الأول، من الوزير جبران باسيل موافقة رئيس الجمهورية المبدئية.

وعليه، تنتظر هذه العقدة جولة الاتصالات المتوقعة بعد عودة الحريري من الرياض، لعلّها تكون باب الفرج الوحيد لإتمام الاتفاق مع «القوات»، فتكتمل الصفقات بين كل المكونات الحكومية، ليبدأ التحضير لاحقاً لإصدار مرسوم تأليف الحكومة وفق الترتيبات الدستورية التقليدية المعهودة.