ما تحتاجه الضاحية هو ثقافة الحياة بدل ثقافة الموت
 

جمعتني مرة مناسبة اجتماعية، مع رئيس بلدية إحدى القرى الجنوبية وهو معمم وخريج الحوزة الدينية، وقد تربع على كرسي رئاسة البلدية  لدورتين متتاليتين ليس بفضل انجازاته الباهرة لقريته وإنما بفرضه على أبناء قريته من خلال الأمر الواقع وقوة تنظيمه ليس إلا.

ضيعة هذا الرئيس، تعتبر من القرى المتخلفة جداً إنمائياً ولا تكاد تتلمس فيها أي تطور أو تحسّن لأكثر من عقد من رئاسته، اللهم إلا بعض الحيطان الجانبية والقليل من الزفت هنا وهناك.

وفي تلك الجلسة صار يحدثنا صاحبنا عن عدالة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأن الإمام رمز الإنسانية والحق، خاتماً حديثه بمزحة فيها الكثير من الجدية فقال: "لو قدر لي أن أحكم لبنان لعرفتم كيف تكون العدالة وكيف سيعم العدل لأنني سأحكم على خطى أمير المؤمنين" ... فكان جوابي له والذي وقع عليه وقع الصاعقة: "يا مولانا إذا سلمناك لبنان رح تعملو متل ضيعتك"!! 

وبالعودة إلى الضاحية الجنوبية، (ومعها معظم قرى وبلدات نفوذ الثنائي الشيعي)، فلسنا بحاجة للإستشهاد بما قاله الدكتور حبيب فياض أمس بمقابلته على تلفزيون الجديد وتصريحه الواضح بأن "الضاحية الجنوبية غير صالحة للسكن"! 

إقرأ أيضًا: ماذا لو اعتدت إسرائيل على الأوزاعي؟

فيكفي مجرد زيارة للضاحية لتدرك فوراً حجم الفوضى والمخالفات والتردي والقرف، فلا قوانين ولا نظافة ولا ترتيب ولا أي مظهر من مظاهر الحياة الكريمة والطبيعية، والملاحظة الأكبر التي تلفت الزائر هي أعداد رجال الدين والمعممين في الضاحية فلا تكاد تمشي لدقائق من دون أن تلتقي برجل دين أو أكثر.

غير صحيح الهروب إلى الأمام والإختباء خلف الإصبع عبر القول بأن هذا الإهمال وهذه الفوضى تقع مسؤوليتها على "الدولة" وكفى الله المؤمنين القتال!!.. فالنظافة والترتيب والتنظيم واحترام الأملاك العامة ووو هي نتاج ثقافة وتربية قبل أن تكون نتاج أنظمة وقوانين وهنا تحديداً تكمن المشكلة.

فإذا أضفنا إلى ذلك اعتبار أن السواد الأعظم من أهل الضاحية هم من المتدينين الملتزمين، وهذا ما نلاحظه بالتجمعات الدينية الضخمة (عاشوراء)، يمكن الإستنتاج ببساطة أن الثقافة الدينية التي يتربع عليها رجال الحوزة هي ثقافة متخلفة ورجعية، ويمكن القول بأن الفقه الحوزوي وما تنتجه الحوزة هو المسؤول الأول عن كل هذا التخلف والفوضى ولو تلبّس بلباس القداسة الزائفة.

بالختام فإن ما تحتاجه الضاحية هو ثقافة الحياة بدل ثقافة الموت المنتشرة هناك، ويجب العمل على فكرة أن الثقافة التي لا تبني جنة على الأرض مستحيل أن تكون ثقافة تدخل إلى الجنة في السماء، وإذا ما كانت الحوزة الدينية نفسها تعمّها الفوضى والشحار والتعتير، فإنها حتما سوف تنتج "ضاحية" أقل تقدير أن تكون مياهها ملوثة بالبراز البشري.