يتخذ الانتصار حقيقة موضوعية لا نسبية، عقلانية لا اعتباطية، قبولاً عاماً لا إملاءً، حين يصبح الانتصار قضية اجتماعية أو وطنية جامعة
 

يصر السيد حسن نصر الله، أمين عام حزب الله، على أن الإنتصار الكاسح لصالح حزب الله ومحور الممانعة، هو صفة النتائج النهائية للصراعات والأزمات والتجاذبات القائمة في أكثر من موقع وساحة وجبهة على امتداد منطقة الشرق الأوسط وربما العالم بأسره.  هو انتصار بنظر السيد نصر الله جلي جلاء ضوء الشمس في الظهيرة، والاعتراف به من الصديق والخصم والعدو حق واجب ومُكتسب لصالح حزب الله، وكل من يتنكر له أو يتجاهله، يكون بقصد أو بغير قصد في مصاف الحليف "الموضوعي" للعدو.

لسنا هنا لجرد حساب الأحداث وتقييم نتائجها أو مآلاتها، لنكون إما ضمن المباركين والمؤيدين لمحور الممانعة أو ضمن الحلفاء "الموضوعيين" للعدو، وإنما لنبين أن خطاب الإنتصار ليس إسماً أو عنواناً رياضياً لنتائج حسابية دقيقة في الربح والخسارة، تفرض على الجميع الاعتراف والتسليم به مثلما نسلم ببديهة عقلية، وليس واقعة أو معطى يمكن نقلهما أو تصويرهما بموضوعية، بقدر ما هو قراءة لحدث، ونشاط فهم لوقائع وفق مسبقات خاصة، ورؤية لواقع وفق معيار معد سلفاً.

هذا يعني أن خطاب الإنتصار فعل تأويلي لتدافع الأحداث وحكم معنوي على معطيات إنسانية.  وهذا هو الفرق بين توصيف الحدث ونقله وقائعه والتقيد بمحدداته المادية والموضوعية من جهة، وبين إسباغ معنى أو قيمة أو حكم كلي وشامل على وقائع محسوسة وفق منظور معين وزاوية نظر خاصة من جهة أخرى.  ما يجعل حكم الانتصار نسبياً بدرجة تعدد الرائي وتنوع الزوايا واختلاف معايير الانتصار. وهو أمر لا يولد مروحة ادعاءات انتصار مختلفة ومتباينة فحسب، وإنما يولد سلوكا انتقائياً في تجميع الوقائع ولغة معيارية في سردها. أي أمر لا يقتصر على ادعاء الانتصار وإنما يؤثر على أصل الحدث وطريقة نقل معطياته الموضوعية.  ما يجعل لكل خطاب انتصار روايته وخبره الخاصين، وأدلته وشواهده الموثقتين، فلا يعود الإنتصار قيمة معنوية وحكم كلامي فحسب، وإنما يتخذ حقيقة وجودية وثبوت وفعلية تاريخيين.

هذا لا يعني التنكر لما أنجره حزب الله في تاريخه المديد، بخاصة فضيلة تحرير الأرض وكسر عنفوان العدو الإسرائيلي. إنما للقول بأن خطاب الإنتصار عقيدة قبل أن يكون إحصاءٌ لإنجازات ميدانية وتجميع لاعترافات العدو بالخسارة، هو تمثل ذهني مسبق لواقع مهما كانت مظاهره وتجلياته، هو ركون نفسي بنهايات حاسمة، هو متخيل يأخذ الحدث من عالمه وسياقه ويعيد إنتاجه داخل عالم نفسي متحرر من إكراهات الموضوعية وصلابة المادة.  هو باختصار نرجسية ذاتية تسقط ذاتها على العالم ليتلون بها وينصبغ بصبغتها.

هذا يعني أن خطاب الإنتصار ليس توصيفاً لواقع موضوعي، إنما حكم معنوي على واقع تقف وراءه أيديولوجيا سياسية مبطنة أو غير معلنة، بل هو خطاب سلطة بامتياز، تعمد القيادة السياسية إلى تعميمه وترويجه بين جمهورها وأتباعها لتحقق هدفين أساسيين:

أولهما الثقة المطلقة بالقيادة، التي تصل إلى حد الإيمان بعصمتها والمغالاة بقدراتها على صنع الانتصارات شبه الخارقة حتى في أقسى الظروف وأصعبها. قيادة فوق الشبهات والمساءلة، قيادة قولها فصل وكلامها فيصل وفوق النقاش، قيادة لا مكان في العلاقة بينها وبين قاعدتها لأية محاسبة أو حتى أية شفافية.  بالمقابل هي قيادة قلقة من أدنى انتكاسة أو أقل هزيمة، لأنها تخاف من استياء وردات فعل جمهور موعود دائماً بالمعجزات والانتصارات الباهرة التي لا تحصل دائماً وباستمرار، بل تخاف من مصارحة جمهورها بجوانب الضعف وحالات الفشل ووجوه الإخفاقات وعناصر الخسارة التي تقابل صور الربح وحالات الفوز. فالصورة المثالية للقيادة لا تحفظ إلا بتقديم نفسها قادرة على صنع واقع خارق ومعجز حتى لو كانت معطيات هذا الواقع وظروفه لا تساعد على اتصافه بذلك.      

ثانيهما زرع الثقة في نفوس الأتباع بأنهم مؤيَدون بالنصر دائماً، وأن الأحداث مسخرة في خواتيمها لصالحهم. ما يشي بعناية خارقة بهم ورعاية غيبية لهم، مدعمة بتأويلات دينية، تضمن غلبتهم وظهورهم على خصمهم وعدوهم.  هو شعور يعوض خوف الشعور الأقلوي والتوجس المبطن من المحيط، لكنه بالمقابل يسوغ استعراضات القوة والتلميح المستمر بالقهر والثقة اللاعقلانية بالذات. وهو أمر سرعان ما يتحول إلى تشرنق خانق حول الذات المتضخمة، وعدوانية مع مكونات البيئة المحيطة تحول دون قيام أي تضامن مجتمعي متماسك أو انتظام سياسي مستقر.

حين عيَّن العدو الإسرائيلي بعد حرب 2006 على لبنان لجنة فينوغراد لكشف الحقائق وتقييم الحرب، خلصت هذه اللجنة إلى القول بأن  "هذه الحرب شكلت إخفاقا كبيرا وخطيراً".  حينها هلَّلنا وكبَّرنا ووزعنا الحلوى في الطرقات، لأننا انتزعنا اعترافاً جلياً بهزيمة إسرائيل.  لم نعرف حينها أن إسرائيل حرصت على الاحتفاظ بما يضمن بقاءها ويديم تفوقها علينا، ليس لجهة السلاح هذه المرة، وإنما في الشفافية التامة بين القيادة السياسية والمجتمع الاسرائيلي، وأن لا أحد فوق المساءلة، وأن الذي يخطيء يحاسب بقسوة، وأن الإسرائيليين لا يتوقعون معجزات وخوارق، بل يتعلمون من أخطائهم ويواجهون ما حصل بواقعية وموضوعية.  بالمقابل فقد أدخلت تجربة حرب 2006 في دائرة تمجيد القيادة وتضخيم الذات الحزبية والمذهبية وإحصاء المعجزات والخوارق التي أفرزتها، وأخرجت بالكامل من دائرة القراءة والنقد والتقييم الصريح والشفاف والتعلم من الأخطاء، رغم التداعيات الخطيرة التي خلَّفتها هذه الأحداث على بنية المجتمع واقتصاد البلد ومؤسسات الدولة وسيادتها. يتخذ الانتصار حقيقة موضوعية لا نسبية، عقلانية لا اعتباطية، قبولاً عاماً لا إملاءً، حين يصبح الانتصار قضية اجتماعية أو وطنية جامعة، وحين تتوزع فضائله على جميع أفراد المجتمع، فلا يعود علامة اصطفاء أو تفوق لقائد، أو وسيلة استقواء لجماعة على أخرى، وحين تكون القاعدة الأخلاقية الكلية التي تعتبر الإنسان غاية بذاته لا وسيلة حاضرة في كل صور الإنتصار، فلا نجد لها حضوراً في مكان وغياباً بل انتهاكاً كاملاً لها في مكان آخر.