غريبة تلك العلاقة التي ترسم الأطر بين «التيّار الوطنيّ الحرّ» و»الحزب التقدّمي الاشتراكي». نزلاتها أكثر من طلعاتها. إشكالياتها تتفوّق دوماً على قواسمها المشترَكة. غالباً ما يحاول طرفا العلاقة البحث عن خطّ تماس يتخفّفان عنده من أثقالهما الخلافيّة، لكنّهما سرعان ما يعودان إلى خطوط الاشتباك. ثمّة أسباب تحول دوماً دون الالتقاء الثابت في الوسط. الاستثناء كان يحملهما أحياناً إلى المربّع المشترك، لكنّ القاعدة تعيدهما من جديد إلى حلبة المصارعة.
 

محاولات عدّة خاضها العونيون والاشتراكيون لحياكة تفاهم كان يُجهضُ دائماً في بداياته. لعلّها «العقلية» المختلفة، أو الكيمياء المفقودة بين الزعيمين، أو الخصومة التي يحتاجانها لشدّ العصب. أو للأسباب كلّها مجتمعة.

شكّل اللقاءُ بين الجنرال ميشال عون ووليد جنبلاط في 11 كانون الثاني من العام 2010 «مسك» بداية التقارب، و»ختامه». كانت المرة الأولى التي يزور فيها «البيك» الرابية منذ عودة «الجنرال» من باريس، واتّفق معه على «تنظيم» الاختلاف وتحديد نقاط التباعد وإنشاء لجان متابعة المصالحات في الجبل لتكون «خميرة» التقارب بين الرابية والمختارة.

ضمّت لجنة مشترَكة ناصيف قزّي عن «التيّار الوطنيّ الحرّ» وناصر زيدان عن «الحزب التقدّمي الاشتراكي» وأُعلن عن خطّة عمل من فندق «بريستول»، بحضور وزراء ونواب من «التيّار» والحزب خُصّصت لملفّ العودة إلى الجبل، كان يُفترض أن تشكّل «ألف باء» العلاقة بين الفريقين.

أما أبرز مقترحاتها، فكانت: إنشاء لجنة مشتركة، ووضع خطّة تحرُّك ميدانيّة لنشر رؤية ثقافية ـ اجتماعية لتنقية الوجدان، وضع خطّة تنموية شاملة، بلورة رؤية سياسية مشتركة (مبنية على الثوابت الوطنية العامة، ومشروع الدولة المدنية، وعلى رؤية موحّدة للقضية الاجتماعية. كما نطمح الى التوافق حول عدد من القضايا المحورية ولاسيّما منها موضوع المقاومة وما يتعلّق بحقّ اللاجئين الفلسطينيين بالعودة الى أرضهم، والعلاقات الأخوية مع سوريا وسائر الأشقّاء العرب)، ودعوة القوى السياسية كافة للانخراط في مسيرة العودة.

لاحقاً دلّت الوقائع على أنّ هوّة الخلافات أكبر بكثير من أن يتمّ ترميمُها بـ»لقاء الصورة». فلا على أرض الجبل حصل التلاقي ولا في الملفّات السياسيّة. «ألغام»سياسيّة عدّة منعت الفريقين من التعايش تحت سقف التفاهم.

قبلها «طُبخت» مشاريع لقاءات عدّة على نار هادئة لجمع الرجلين منذ العام 2005، لكنّ «سُمّاً» ما كان يُدَسُّ في «دسم» المصالحة. رفض الرجلان اللقاءات الفولكلورية التي تعطي الآخر ولا تأخذ منه.

وحده الرئيس ميشال سليمان نجح في تجاوز «تركيب الكيمياء» التي تحتاج الى خلطة سحرية، وجمعهما في القصر الجمهوري في تشرين الثاني 2009. كانت الصورة هي الأساس. وعليها بنى الفريقان جداراً «رمليّاً» من الثقة أسّس لزيارة وليد جنبلاط الأولى الى الرابية، ثمّ جولة عون في الجبل.

«أيام العسل» شهدت تنسيقاً وزارياً ونيابياً ولقاءاتٍ بين عون وجنبلاط في مناسبات اجتماعية ودردشات على الواقف خلال جلسات الحوار في بعبدا لكنّها لم تكن كافية لترميم العلاقة جذريّاً. الرجلان ينسجمان أكثر مع نفسيهما حين «تُدقّ أجراس» النزاع بينهما.

بقي تواصلُ الحدّ الأدنى بين الحزبين. هذا ما أراده «التيّار الوطنيّ الحرّ» والحزب التقدّمي أيضاً. إذ كان لا بدّ من أن يبقى جمر الاشتباك تحت الرماد. 

هكذا، لطالما استنجد «البيك» بأقصى العبارات و»القفشات» في جولات الملاكمة الخطابية مع العونيين، إلى حدّ الاستعانة بـ»الزرازير والصراصير» وكمفردات «الخطاب الغرائزي» و»العقول المظلمة» في كلّ مرّة تقرّر فيها الرابية «نبش القبور» والتصويب على «بيك المختارة». وفي كلّ مرّة تسقط فيه الهدنة الهشّة، يعود «خصما الفطرة» الى نقطة الصفر..

في العام 2014، طرق «البيك» من جديد باب الرابية. فمفتاح الرئاسة لا يزال في جيب زعيم الأكثرية المسيحية، وكان من الضروري السعي لاستثمار الوقت الضائع، بفتح قنوات مسدودة وتخفيض حدّة التشنّج الداخلي... حتى لو لم يصل إلى نتيجة.

يومذاك وُلدت لجنة مشتركة ضمّت عن الاشتراكيين علاء الدين ترّو، ظافر ناصر، سليم السيد ورضوان نصر، وعن «التيّار الوطنيّ الحرّ» غسان عطالله، إيلي نهرا وأنطوان كيوان. أما المفارقة الأبرز، فكانت عضوية طارق الخطيب!

عقدت اللجنة اجتماعات عدّة. جلّ طموحها كان تحوّلها إلى «صندوق شكاوى وحلول» للإشكالات في القرى المشتركة. فعلاً نجحت في سحب فتيل التوتر من الجبل، وكسرت حاجز الخوف الذي كان يكبّل بعض المسيحيين ويمنعهم من المجاهرة بخيارهم السياسي. ونقطة على السطر.

يردّد العونيّون أنّهم أملوا بلوغ عتبة التفاهم السياسي، لكن أثبتت الوقائع أنّ سقف العلاقة لم يتجاوز الحفاظ على التهدئة. لكنّ الراصد لمسار الفريقين يعرف جيداً أنّ خصومتهما مادّة استقطاب جماهيرية لا تقدّر بثمن للعونيين وبدائلها باهظة الثمن، وجنبلاط ليس بوارد دفع ثمن ما ليس بحاجة إليه.

و مَن يعرف الاشتراكيين، يدرك أنّهم ليسوا من هواة كتابة الوثائق والأوراق، ويفضّلون إبقاءَ تفاهماتهم حرّة طليقة غير مقيّدة بحبر على الورق. 

هكذا رافقوا العونيين في «الروحات والرجعات» لكنهم لم يقعوا في فخّ وثائق التفاهم... إلى أن حاولوا عشية الانتخابات النيابية الأخيرة مدّ يد التحالف.

يقول هؤلاء انّهم رمّموا جسور التعاون الانتخابي بجدية توثّقها الأرقام والاستطلاعات. وعرضوا على «التيّار» انضمام 3 مرشحين عونيين في الشوف وعاليه. العونيّون أصرّوا على أن يكون اثنان من المرشحين من الشوف، وسحب الاشتراكيين ناجي البستاني. فوقع الخلاف وتفرّقا.

على هذا الأساس، يقول المطّلعون على محاولة ترقيع العلاقة: ليس هناك مَن يبالغ في طموحاته في إنجازات اللجنة الجديدة. التوتّر في الجبل هو الذي فرض أجندة التهدئة، وقد يمهّد الطريق لفتح الأجندة الحكومية. الفريقان يتعاملان بإيجابية وجدية مع المسعى. ولكنّ التفاهم السياسي دونه واد عميق.