لقد كان مشروع الإمام الحسين عليه السلام مشروعا عالمياً نهضوياً ولم يكن في أي لحظة من لحظاته مشروع طائفة محددة أو مذهب
 

يحتفل المسلمون اليوم في أنحاء العالم الإسلامي ببداية العام الهجري الجديد، والذي يصادف أيضاً بداية إحياء مراسم عاشوراء وذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي عليهما السلام لدى عموم الشيعة.

لا شك أن هاتين المناسبتين تشكلان منعطفاً مهماً في الاسلام بما تحملان من عبر ومرتكزات كانت أساسية في تاريخ الدعوة الإسلامية.

فقد كانت محطة الهجرة النبوية الشريفة حركة مفصلية في التاريخ الاسلامي وأسست لمرحلة جديدة للهوية الاسلامية فكرا وحضورا وممارسة.

وكذلك كانت محطة عاشوراء الامام الحسين حيث شكلت بدروها أيضا نهضة إسلامية إنسانية عالمية لترسيخ تعاليم الإسلام والعودة إلى جذور الدعوة الاسلامية بعد الخلل الذي حصل حينها وهدد الكيان الإسلامي كله.

وما زالت هذه المناسبات حتى يومنا هذا الأكثر حضورا وتفاعلا لدى المسلمين وإن تفاوتت الإهتمامات بكل منهما في التصنيف الذي ذهبت إليه العامة، فاختار أهل السنة الإهتمام أكثر بمناسبة الهجرة فيما اختار الشيعة عاشوراء تخليدا لذكرى الامام الحسين عليه السلام وتضحياته.

هذا التصنيف أثار جدلاً واسعاً وأسئلة كثيرة يطرحها البعض نظير، لماذا لا يهتم أهل السنة بذكرى الامام الحسين في عاشوراء؟ ولماذا لا يهتم الشيعة بذكرى الهجرة النبوية الشريفة؟

والجواب هنا لا بد أن يخضع لدراسة مستفيضة إلا أن ما يظهر يشير إلى البعد الطائفي والمذهبي حيث انصرف الشيعة على مر التاريخ لاحياء ذكرى الحسين وهو الامام الثالث من الأئمة الإثني عشر، فكان من الأولى إحياء ذكرى الحسين بالنظر إلى رمزيتها وإلى طبيعة المعركة كملحمة مؤثرة ومأساة مروعة لا يمكن تجاوزها تحت أي اعتبار آخر، فضلا عما حملته ثورة الحسين من أهداف وقيم تتصل بالحياة بكل جوانبها.

إقرأ أيضًا: عاشوراء وتحدي الإصلاح

والمؤسف أن عاشوراء بقيت حتى اليوم أسيرة الطائفة والمذهب والدين علماً أن ثورة الحسين ثورة إنسانية عالمية تجاوزت كل الحدود الدينية والطائفية والمذهبية.       لقد كان مشروع الإمام الحسين عليه السلام مشروعا عالمياً نهضوياً ولم يكن في أي لحظة من لحظاته مشروع طائفة محددة أو مذهب .

لم تكن عاشوراء في يوم من الأيام أسيرة المذهب أو القبيلة أو الحزب ولا ينبغي أن تكون، ولم تكن في يوم من الايام مناسبة خاوية لا تتعدى البكاء واللطم والندب والشعارات.

ولكن مع الاسف فإن هناك من يريد أن يبقي هذه المناسبة مناسبة محنطة في متاحف المذهبية وأسيرة الدين والجغرافيا، في وقت بات من الضروري إخراج هذه المناسبة من الإحياء التقليدي لتصل إلى المستوى الذي أراده الإمام الحسين عليه السلام من التأصيل والتجديد لتكون عاشوراء الفكر والاهداف والمشروع  والنهج في قلب الأمة وشرايينها.

إن عاشوراء كمشروع وكحركة وعي وكمنهج إصلاحي وحضاري يجب أن تجد طريقها إلى العقول والقلوب ويجب أن تأخذ حقها على المنابر وبين الخطباء وعدم حصر المناسبة بالشعارات والبكاء والتحريض.

إن عاشوراء تكون خالدة أكثر لو أخذت إلى وجدان الشعوب ولو أخرجت من لباس العصبية والمذهبية ولو أخرجت ولو قليلا من السياق العاطفي.

لم يهدف الإمام الحسين في عاشوراء إلى التحريض العاطفي بقدر ما أراد أن يجسد حالة عامة في الأمة حالة الرفض، رفض المذلة والخنوع رفض الاستبداد ورفض الفساد والظلم تلك هي رسالة الإمام الحسين في عاشوراء رسالة عميقة وكبيرة أكبر من أي طائفة أو دين أو مذهب.