مع دخول لبنان الشهر الرابع من دون تشكيل حكومة، تعلو الصرخات في شأن التداعيات الإقتصادية والمالية التي يتحمّلها الإقتصاد اللبناني، وأخذ الجانب السياسي الحيّز الأول في إعتبارات التشكيل مع إهمال كلّي للجانب الإقتصادي، الإجتماعي والمالي الذي سيؤدّي حكمًا إلى خسائر مالية يتحمّلها المواطن على شكل ضرائب.
 

حصر دستور الطائف كل السلطات التنفيذية في يدّ الحكومة اللبنانية مُجتمعة بما يعني أن غياب الحكومة هو غياب القرارات السياسية، الإقتصادية، المالية والإجتماعية، حتى أن فتح باب التشريع في هذه المرحلة صعب المنال. من هذا المُنطلق ومع تشدّد البعض بإعتبار حكومة تصريف الأعمال تُصرّف الأعمال بالمعنى الضيق تسود حال من الجمود على الصعيد الإقتصادي، وخسائر على الصعيد المالي وتداعيات إجتماعية سلبية نتيجة غياب القرارات.


الملفات التي تنتظر الحكومة العتيدة عديدة وعلى رأسها الملفات الإجتماعية التي ستُبرز أزمات إجتماعية في الأسابيع القادمة إن على صعيد المدارس أو على صعيد الكهرباء. فالقيّمون على المدارس مُصمّمون على رفع الأقساط لتغطية كلفة السلسلة كما أن بعض المدارس عمدت إلى صرف أساتذة (40 أستاذا) بحجّة عدم القدرة على دفع المُستحقات. هذا الأمر سيُثير حفيظة الأساتذة مع تهديدهم بالإضراب ولكن أيضًا حفيظة الأهل الذين قد يلجأون إلى التظاهر. على الصعيد الكهرباء، يجد المواطن نفسه في أول تشرين القادم وسط صراع بين الدولة وأصحاب المولدات مع إحتمال أن يدفع هو ثمن هذا الصراع بغض النظر عن الجهة التي ستربح المواجهة. يبقى أن إرتفاع الأسعار الناتج عن سلسلة الرتب والرواتب وإرتفاع أسعار النفط هو المُشكلة الأساسية التي ستواجه المواطن اللبناني الذي سيرى قدرته الشرائية تتراجع وبالتالي ستعلو الصرخة في وجه هذا الواقع.


إقتصاديًا، الركود الذي يعيشه الإقتصاد اللبناني لا يُساعد في حلّ الأزمة الإجتماعية والمالية. فغياب الإستثمارات يحرم خزينة الدولة من ضرائب كانت لتُخفّف عن كاهل الخزينة أضف إلى أن عدم الإستثمار يمنع التوظيف ويؤدّي إلى تراجع على الصعيد الإجتماعي لأنه يزيد من نسبة الفقر ويزيد إنفاق وزارة الصحة بحكم أن الذين لا يعملون لا يُمكنهم الإستفادة من الضمان الإجتماعي. ولا يُمكن تناسي التكاليف التي تُفرض على المواطن نتيجة عدم حلّ مُشكلة الكهرباء والنفايات التي تحتاج إلى إستثمارات.


أمًا ماليًا فإن غياب الحكومة يؤدّي حكمًا إلى إرتفاع الكلفة من باب الدين العام الذي سترتفع خدمته مع تراجع التصنيف الإئتماني للبنان الناتج عن التخبّط السياسي ولكن أيضًا نتيجة إرتفاع الفائدة على الدولار الأميركي في العالم والتي سترفع خدمة الدين العام بما يقارب الـ 50 مليون دولار أميركي سنويًا. أيضًا إن غياب الحكومة يمنع أي رؤية إصلاحية على الصعيد المالي خصوصًا من ناحية تخفيف العجز الذي من المُتوقّع أن يكون أعلى مما هو منصوص عليه في موازنة العام 2018. هذا الإرتفاع لا يُمكن تمويله إلاّ من خلال رفع الضرائب كما نصح صندوق النقد الدولي الدولة بإعتماده لإيجاد توازن مالي.

عمليًا، ستؤدي تداعيات عدم تشكيل الحكومة على الإقتصاد اللبناني الى خسارة 500 مليون دولار أميركي موزّعة على الشكّل التالي:

(1) عدم خفض عجز الموازنة -46 مليون دولار أميركي.

(2) عدم تطبيق الشق الإستثماري في سيدر 1-9 مليون دولار أميركي على الخزينة.

(3) عدم تطبيق توصيات صندوق النقد الدولي في الشق الإصلاحي -117 مليون دولار أميركي.

(4) عدم تنفيذ إصلاحات من خارج سيدر 1 -151 مليون دولار أميركي.

(5) عدم أخذ قرارات إقتصادية ومالية -25 مليون دولار أميركي.

(6) غياب الفرص الإقتصادية -146 مليون دولار أميركي. حرمان الخزينة مداخيل

هذه المُحاكاة لا تشمل الزيادة في خدمة الدين العام الناتجة عن إرتفاع سعر الفائدة على الدولار الأميركي ولا تداعيات عدم فتح معبر نصيب أمام البضائع اللبنانية.


إن إقدام الأحزاب على إعطاء الأولوية للشق السياسي على حساب الشق الإقتصادي خطأ جسيم يُرتكب في حق الإقتصاد الذي يخسر ثقة المُستثمرين به من خلال التخبّط السياسي وبالتالي، لا يُشجّع المُستثمرين على الإستثمار في لبنان خصوصًا المُغتربين اللبنانيين. أيضًا إن غياب الحكومة والبقاء على حكومة تصريف أعمال أمر مُضرّ للقرارات الإقتصادية وبالتالي، فإن دعاة مقولة «تصريف الأعمال بالمعنى الضيق» يُعرّضون البلد إلى مزيد من الخسائر المالية نتيجة تعلّقهم بنقطة منصوص عليها في الدستور اللبناني وهي محور جدال في الفقه القانوني (ماذا يعني «تصريف الأعمال بالمعنى الضيق»؟).


يبقى القول أن الوضع النقدي في لبنان هو تحت السيطرة نتيجة الإحتياطات الهائلة من العملات الأجنبية مما يعني إبعاد أي خطر عن الليرة اللبنانية التي تتعرّض بشكل متواصل إلى ضغوطات نتيجة الوضع السياسي. أيضًا يُمكن الجزم بأن لبنان ليس مُعرّضًا للإفلاس لأن سندات اليوروبوند إستحقاق 5 سنوات تُحافظ على قيمتها على الرغم من التخبّط السياسي، وهذا الأمر يعني أن الأسواق المالية ما زالت مُستعدّة لتمويل الدوّلة اللبنانية لكن بكلفة أعلى. إقتصاديًا، لا يُمكن القول أن هناك إنهيارا، لأن الحروب وإنهيار العملة وإفلاس الدولة وحدها عوامل تقود إلى الإنهيار الإقتصادي، لذا وفي غياب هذه العوامل لا خطر على الإقتصاد من الإنهيار إلا أن الماكينة الإقتصادية تتآكل نتيجة غياب الإستثمارات.


في الختام، إن التأخّر في تشكيل الحكومة يؤدّي إلى خسائر مالية وبالتالي، يتوجّب الإسراع في تشكيلها رأفة بالإقتصاد والمواطن الذي سيقع على كاهله تحمّل كل هذه الخسائر على شكل ضرائب ستُفرض في المُستقبل القريب إلى المُتوسّط وقد تمتدّ إلى ولد ولده.