بعدما غدا الكون قرية صغيرة وصار تداول الأفكار والأخبار متاحاً لكل فرد وعليه تحول كل شخص إلى صحافي ينقل الخبر بالصوت والصورة والكتابة، وأكثر يناقش ويحلل المواضيع وينتقد من وراء جهازه الالكتروني. فهل حرية الفرد والتعبير عن رأيه يقفان عند حدود الآخرين أم إن عالم الانترنت كما تجاوز الحدود الجغرافيا بين الدول يستطيع من يستخدمه تجاوز حدوده والمس بكرامة الآخرين وعنفوانهم؟
 
من المتعارف عليه تقليدياً أن جرائم القدح والذم كانت ترتكب اما بالفعل أو بالقول أو الكتابة. غير أنه مع التطور الذي شهدته الانسانية في تكنولوجيا الاتصال، ظهرت وسيلة جديدة وخطيرة لارتكاب جرائم القدح والذم في شبكات التواصل الالكترونية. إن تطور التكنولوجيا المعلوماتية خلق عالماً افتراضياً وغير ملموس، لانه في حقيقته مبني على المعادلات الرقمية والالكترون والقطع والمعدات الكهربائية. والطبيعة غير المادية لهذا العلم تثير إشكاليات عدة، أبرزها ارتكاب جرائم المعلوماتية وتحديداً جريمتي القدح والذم، فالطبيعة غير المادية تطرح العديد من المسائل أهمها:
 
1- معرفة هوية الشخص الذي نشر المحتوى المتضمن القدح والذم
 
كل متضرر من جراء استخدام شبكات التواصل الالكترونية يجب أن يدعي ضد مجهول لانه لا يمكن تأكيد هوية من ارسل المحتوى المتضمن التشهير، وإن كان يظهر على الشاشة اسم الشخص الذي ارسل محتوى التشهير فالدليل غير كافٍ للادعاء على هذا الشخص لانه مثلاً عندما يتحدث مستخدم الانترنت مع حساب رفيقه فهو يتحدث مع الحساب العائد لرفيقه وليس رفيقه بالذات، لان الحساب قد يكون في تصرف شخص آخر يستخدمه عن حسن أو سوء نية...إلخ.
 
2- ما المحاكم المختصة للنظر بدعاوى القدح والذم الواقعة في شبكة الانترنت؟
 
لئن يمكن الدخول الى الموقع الالكتروني المشكو منه من كل لبنان، فقد اعتمد معيار مكان حصول النتيجة الجرمية لمعرفة المحكمة المختصة للنظر بدعاوى القدح والذم الواقعة في شبكة الانترنت.
 
3- هل تعتبر شبكة الانترنت وسيلة نشر المنصوص عنها في المادة 209 عقوبات؟
 
بمراجعة للمادة المذكورة يتبين أن المشترع تكلم بشكل واضح عن الوسائل الآلية دون تحديدها وتالياً لا يجوز اخراج أي وسيلة آلية يمكن النشر من خلالها. وان الاعتراف بشمول المادة 209 للانترنت والحاسوب ووسائل التواصل الحديثة لا يعتبر على سبيل القياس الذي لا يجوز اللجوء اليه في قوانين العقوبات. مما ينطبق على جرائم القدح والذم المرتكبة بواسطة شبكة الانترنت. غير أن المعول عليه هو ليس وسيلة النشر بل النشر بحد ذاته الذي يؤلف الجريمة، وتحديداً عندما يستطيع انسان التأثير على عدة أشخاص.
 
4- هل يجوز اعتبار النشر في شبكة الانترنت من اختصاص محكمة المطبوعات؟
 
عرفت المادة 3 من قانون المطبوعات بأنها وسيلة النشر على تدوين الكلمات والاشكال بالحروف والصور والرسوم، وعليه تعتبر محاكم المطبوعات اللبنانية أن النشر عبر شبكة الانترنت وتحديداً في المواقع الالكترونية هو من وسائل النشر المحددة بالمادة 3 من قانون المطبوعات خصوصاً متى كان الموقع يعود للصحف والمجلات المحددة هويتها والموجهة الى القراء. وعليه، فإن النيابة العامة في لبنان اعتادت ان تدعي في جرائم القدح والذم المرتكبة من خلال مواقع الصحف أو المجلات الالكترونية أمام محكمة المطبوعات حتى ولو لم يكن لهذه المواقع نسخة ورقية.
 
بيد أن لتحقق جرائم القدح والذم يجب توافر كل من الركن المادي والركن المعنوي.
 
حيث إن الركن المادي يتمثل بمحتوى المنشور على شبكة الانترنت والمتضمن القدح والذم وهو ما يعرف بموضوع الجريمة، والنشر الذي هو فعل الاعتداء ومن النتيجة الجرمية التي تتحقق بوصول المحتوى الى العامة بالصورة العلنية بعد تعيين الشخص الموجه له القدح والذم.
 
أما الركن المعنوي يتمثل بالقصد الجرمي، فالمشترع اللبناني لا يعاقب على القدح والذم إلا اذا رافقتها النية الجرمية لدى صاحبها.
 
في الخلاصة، وبعد ملاحقة العديد من الاشخاص بسبب آرائهم وكتاباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، فإن شبكة الانترنت تبقى متاحة للجميع والتشهير بسمعة الاشخاص لا يمكن التعويض عنه بحيث أنه يكفي بضع دقائق حتى ينتشر الخبر بين الملايين من البشر. ليبقى السؤال، هل إن كرامات الناس مباحة لكل شخص تطاوله نفسه على التجريح بالآخر تحت راية الحريات المكرسة في الإعلان العالمي لحقوق الانسان؟ أم إن حرية الصحافة جدار لا يمكن تجاوزه بخاصة متى تجاوز حدود الخرين؟ وهل سيستدرك المشترع اللبناني الثورة التكنولوجية فينظمها ويحد من مخاطرها ونتائجها؟