قفزت أزمة النازحين السوريين إلى الواجهة من جديد، وسُجِّلت حركة مشاورات بين لبنان والأمم المتّحدة على وقع تجدّد الاشتباك مع وزارة الخارجيّة
 

مقابل تراجع الحديث عن إمكان تشكيل الحكومة، قفزت أزمة النازحين السوريين إلى الواجهة من جديد، وسُجِّلت حركة مشاورات بين لبنان والأمم المتّحدة على وقع تجدّد الاشتباك مع وزارة الخارجيّة عشيّة سفر الوزير جبران باسيل إلى موسكو الأحد المقبل، تزامناً مع تراجع حديث الروس عن مبادرتهم، وحماس سوري مفاجىء لاستقبال النازحين. فإلامَ يقود هذا الخليط من المواقف؟
تزامناً مع انشغال العواصم الكبرى بالحرب الاقتصادية التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكل متدرّج، على أكثر من دولة وكيان اقتصاديّ بدءاً بالعقوبات على إيران، ومن بعدها على موسكو وتركيا، ومن قبلها كلّها على كلٍّ من الصين وكندا وألمانيا، بدأت الانعكاسات السلبيّة تظهر تدريجاً على ساحات المواجهة المفتوحة بين مختلف هذه القوى التي تسعى الى التكتّل في مواجهة واشنطن.


ليس صعباً على العديد من المراقبين الاقتصاديين والخبراء، استشراف ما رماه الرئيس ترامب من مسلسل العقوبات الاقتصادية والجمركية التي فرضها على هذه الحكومات. فقد عبّرت أرقام مراكز الدراسات الأميركية عن حال الاقتصاد ومستوى قوّة الدولار الأميركي عن العديد منها. فالعقوبات لم تشمل حكومات الدول المستهدفة فحسب، بل شملت الشركات الدوليّة العابرة لكلّ هذه الدول، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية مخيّراً إيّاها بين ضمان مصالحها ربطاً بالاقتصاد الأميركي أو الاحتفاظ بعلاقتها مع الدول التي تعرّضت للعقوبات، وهو ما يوحي بإمكان زيادة حال التوتر بين واشنطن وهذه الدول التي ستضطرّ الى استخدام ما تمتلكه من قوة، اقتصادية كانت أم عسكريّة أم دبلوماسيّة في مواجهتها.


ويبدو للكثير من الخبراء الاستراتيجيين والاقتصاديين انّ الساحة السورية ستكون الأكثر تأثّراً بين الساحات العالمية عموماً والشرق أوسطية خصوصاً. فعليها تتقاطع وتلتقي مصالح واشنطن والدول التي تستهدفها جميعها. وهو ما يمكن رصده بسهولة من خلال تعثّر كلّ المساعي الهادفة الى الحلول السياسية ولاسيّما المبادرة الروسية لإعادة 7 ملايين ومئة ألف سوريّ من النازحين السوريين المنتشرين في 46 دولة في العالم، عدا دول الجوار السوري، الى بلادهم.


وفي الوقت الذي رصدت فيه الدبلوماسية الروسية تراجع حجم التجاوب الدولي والأوروبي خصوصاً مع مبادرتها، ربطت موسكو هذه التطورات مع الإهمال الأميركي للمبادرة، وعدم إعطاء أيّ جواب على مقترحاتها العملية او المشاركة في كلفتها الباهظة. وان لم تقل واشنطن كلمتها بصراحة بعد، فقد قرأت عواصم المنطقة في توجّهات المؤسسات الأممية جواباً بدل عن ضائع أميركياً، أو مؤجلاً ليس من السهل أن تقوله واشنطن بالفم الملآن.


وعليه، قرأت مراجع دبلوماسية لبنانية مواقف المفوّض السامي لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي الذي عبّر عن معارضته «لعودة النازحين السوريين الى بلادهم في الظروف الحالية»، ما يحول دون توفير الدعم الدولي والأممي للمبادرة الروسية التي تجاوزت شروط توفّر الحلّ السياسيّ في سوريا للعودة. وهو ما أقلق المسؤولين اللبنانيين الذين يراقبون بأمل مضطرد تنظيم «قوافل العودة الطوعية» التي ينظمها الأمن العام في لبنان، وحجم التحضيرات الجارية على معبر نصيب مع الأردن لنقل النازحين من دول الخليج العربي وتبرّع إحدى شركات النقل السورية الكبيرة العاملة في السعودية لإعادة النازحين منها الى بلادهم فور فتح المعبر. وزاد الطين بلّة عندما أكّد غراندي انّ ما هو مطلوب من شروط «العودة الآمنة والطوعية» لم يتوفر بعد في سوريا، وكأنّ المناطق الآمنة التي باتت أمراً واقعاً معيوشاً غير كافية لاستيعاب العائدين وضمان استقرارهم وأمنهم وسلامتهم.


على وقع هذه التطورات، شهدت الساحة اللبنانية أمس حركة دبلوماسية لافتة، تجلت بالحراك الذي عبّرت عنه زيارة فريق من مساعدي المبعوث الدولي الى دمشق ستيفان دوميستورا برئاسة رئيسة مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا ستيفاني خوري، التي زارت المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، والذي استُكمل مساء بالزيارة العاجلة للمنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في لبنان فيليب لازاريني باتجاه بيت الوسط لمناقشة التطورات ومضمون الرسالة التي وجّهها وزير الخارجية جبران باسيل الى غراندي معبّراً عن رفضه «للشروط التي ربط بها عمليات العودة» معتبراً انّ «العودة الجزئية والممرحلة للنازحين هي ممكنة وظروفها متوفرة». داعياً الى تقييم الوضع الأمني في سوريا «بطريقة موضوعية» والاعتماد على التقارير الأمنية الإيجابية الواردة من معظم الأجهزة الأمنية العالمية، والتي تقاطعت بمعظمها على أنّ الوضع الأمني في سوريا أصبح مستقراً في الكثير من المدن والمحافظات السورية.


وبناء على ما تقدّم لا بد أن ترفع هذه التطورات من منسوب القلق اللبناني على المبادرة الروسية وايّ نشاط آخر يعوّل عليه بمساعدة الأمم المتحدة ورعايتها وهو ما سيفرض إعادة نظر بكل التوقّعات الإيجابية لبرامج العودة ما لم تستوِ العلاقات الدولية وتستقر على خطوات متفاهم عليها. فالحماس الذي تبديه السلطات السورية لاستقبال العائدين على وقع التدابير الروسية الصارمة لضمان سلامة العائدين لا تكفي في ظل فقدان الرعاية الدولية والمال الكافي لبرامج إعادة التموضع في قلب سوريا.