بين المعاناة التي يعيشها أهالي البقاع الشمالي والحرمان المزمن، وبين الحلول التي ينشدونها بحثاً عن الأمن والإنماء، تحوّلت المنطقة في الآونة الأخيرة إلى مادة سجال تقاذف خلالها الجميع مسؤولية الواقع المتردّي منذ سنوات أمنياً وإنمائياً، حيث وصلت الأمور حدّاً لا يُطاق سلَّم بنتيجتها المواطن البقاعي للظروف واستسلم، وأصبح تحت رحمة واقع لم يعرف مَن المسؤول عنه.
 

هي معضلة البقاع القائمة منذ الحكم العثماني حيث يقول العارفون بتاريخ المنطقة إنّ الحرمان الذي تعاني منه مزمنٌ وقديم لم تعمل الدولة على حلَّه ما بعد الإستقلال.

لم تستقطب الدولة تلك المساحة الشاسعة من بعلبك الهرمل، ولم تنجح في استيعاب أهلها بكنفها، ولم تنجح في تأمين مستلزمات العيش لتبعدهم عن الحلول التي لجأوا إليها كزراعة الحشيشة وغيرها، فكانت بذرة خلاف بين الدولة ومواطنيها، وصُوّرت المنطقة معها خارجةً عن القانون، عزّزتها مواجهات بين القوى الأمنية والمواطنين لا تزال تتكرّر حتى الآن، وتكبر معها الهوّة بين المواطن البقاعي والدولة.

وتحت عناوين الخطط الأمنية في البقاع دخلت الدولة إلى المنطقة منذ سنوات دون أن يسمع أهلُها عن خطة إنمائية واحدة، سوى وعود تأتي في زمن الانتخابات من مختلف الأحزاب والطوائف، وتعود الموسم التالي بعد غياب سنوات. حتى وصلت الوعود إلى إنشاء مجلس إنماء لبعلبك الهرمل على غرار مجلس الجنوب، وغيرها من تشريعٍ لزراعة الحشيشة ومشاريع يعتبرها أهالي المنطقة صرفاً للنظر عن المشكلة الأساسية.

وعلى المقلب الآخر يحمّل الناس الأحزاب وكان لها في السلطة منذ التسعينات وزراء في الحكومات المتعاقبة من أبناء المنطقة، تولّى البعض منهم حقائب وزراية تُعنى مباشرةً بواقع البقاع كوزارة الزراعة. ويرى البعض أنّ «حزب الله» معنيٌ أساسي في وضع المنطقة ويتحمّل جزءاً كبيراً من المسؤولية، فهو الممسك بزمام الأمور من بلديات ونواب ووزراء، ناهيك عن الوضع الأمني العارف به والمُمسك بتفاصيله على صعيد لبنان، فهل يعقل أنه غير قادر على ضبط الوضع الأمني في بعلبك الهرمل، وهو الذي دافع وحمى المنطقة من الجماعات التكفيرية ودفع في سبيلها مئات الشباب.

ففي الوقت الذي يريد الحزب إقامة احتفال أو ما شابه تتحوّل المنطقة إلى ثكنة عسكرية، فلماذا لا يقوم بذلك الدور أيضاً الذي تخلّت عنه الدولة، ولماذا لا يحمي الناس من الخوّات التي تُفرَض عليهم؟ وهل مقولة رفعنا الغطاء عن المخلّين بالأمن والمطلوبين هو دليل على وجوده سابقاً؟ وما هي رؤيته التنموية للمنطقة؟

مصادر في «حزب الله» تجيب «الجمهورية»: نعم يتحمّل «حزب الله» المسؤولية الأمنية لأنه المسؤول أمام الناس وهو الناطق باسمهم وممثلهم، لكن لا يجب أن يأخذ مكان الدولة، فالأخيرة هي المسؤولة أولاً واخيراً، وهي تقوم بواجبها ولكنها تحتاج لوقت، من هنا يطالب الحزب بدورٍ أمني للدولة في البقاع لا بخطة أمنية تنتهي بزمن.

وعمّا حدث في بلدة بريتال تقول المصادر إنّ البلدة جزءٌ من المنطقة، والدولة أعلم بما تقوم به ونحن لم نتدخّل، ومَن يحمل المسؤولية عمّا حدث للحزب هو خارج المشهد ولم يقرأ جيداً.

وتعدّد المصادر المشاريع التي نفّذها «حزب الله» للمنطقة بالتعاون بين البلديات والنواب، من الصرف الصحّي وشبكات ومحطات تكرير ستعمَّم على البلدات البقاعية كافة، كذلك حلّ مشكلة النفايات عبر معمل فرز في بعلبك ومطمر، في وقت كان لبنان ولا يزال يعاني من أزمة نفايات، أضف إلى ذلك الآبار الأرتوازية وشبكات المياه في بعلبك والهرمل بتكاليف تفوق الـ 20 مليون دولار، ناهيك عن مساعدات صحّية وإعادة تشغيل المستشفيات الحكومية. أين التنمية البشريّة؟

و تقرّ المصادر بأنّ التنمية البشرية هي مشكلة حقيقية لم تعمل الدولة على حلّها ولا الحزب، وتقارب المصادر المشكلة هنا من ثلاثة محاور: أولاً المشكلة الأمنية التي تؤثر على الإستثمار، ثانياً عدم إتقان فنّ الإستثمار والتوجّه نحو الربح السريع كزراعة الحشيشة، وهنا يأتي دور الدولة والحزب بطرح تلك المشكلة ومناقشتها ووضعها في سلّم الاهتمامات، وثالثاً غياب الدولة التي هي خارج المشكلة في البقاع، والتي لم تجرّب يوماً دراسة الواقع، ولا توجد لديها رؤية إقتصادية على مستوى لبنان ككل، فهل تكون لديها رؤية في البقاع؟ وتختم المصادر أنّ مسؤولية الحزب تقع عليه لأنّ الشعب اختاره ليمثله وعليه تحمّل تلك المسؤولية.

ولأنّ تغيير النفوس أصعب من تغيير النصوص لا بد أيضاً من نهضة ثقافية إجتماعية للمواطنين تقرّب بينهم وبين الدولة، يعي فيها كل مواطن حقه وما عليه من واجبات. فبحسب البعض يتحمّل الشعب جزءاً من المسؤولية، فهو المسؤول عن تطوير نفسه والنهوض بمنطقته، إذ لا ضرر إذا ما تمّ توظيف رؤوس الأموال بمشاريع تفيد أبناء المنطقة، والقيام بواجباتهم تجاه الدولة كي لا تبقى هناك حلقة مفقودة. وتقدّم الدولة خطوة باتّجاه المواطنين عبر إقرار قانون عفو يفتح صفحةً جديدة مع الناس ويضع قواعد قانونية ونصوصاً للمرحلة المقبلة، يالإضافة إلى تحرّك الناس والمطالبة بأبسط حقوقهم من مياه الشرب والكهرباء وغيرها، وهو ما لا يحصل أيضاً بسبب الانتماءات الحزبية من مختلف الفئات والالتزام بالقرارات والسكوت عن الحقوق التي تضيع يوماً بعد يوم.