على الرغم من محاولاته تذليل جميع العقبات للوصول أمس إلى مرحلة الحكم على جميع المتهمين في ملف «أحداث عرسال الأولى» عشية عيد الجيش الثالث والسبعين، مقدماً بذلك «هدية» إلى عائلتي الشهيدين النقيب بيار بشعلاني والمعاون أول ابراهيم زهرمان اللذين سقطا في تلك الأحداث التي وقعت في الأول من شهر شباط العام 2013، فإن رئيس المحكمة العسكرية العميد الركن حسين عبدالله أصدر حكماً «منقوصاً» بعد إصرار وكيل أحد أبرز المتهمين الموقوفين عمر حميد المحامي معروف مزهر على الاستمهال للمرافعة والحكم انطلاقاً من ردّ المحكمة طلبه بسماع إفادة أحد العسكريين من عداد الدورية الأمنية، واعتباره أن «حق الدفاع عن موكله هو مقدس»، علماً أن المحامي المذكور مكلّف من نقابة المحامين بالدفاع عن حميد.
 

وما حميد سوى أبرز المشاركين في تلك الأحداث، وهو بحسب اعترافاته الأولية قد أقدم على قتل الشهيد زهرمان ببندقية «فال»، وهو الأمر الذي نفاه حميد، الذي أوقف في أوائل أيار العام الماضي، أثناء استجوابه أمام المحكمة في جلسة سابقة. وفي ضوء ذلك قرر رئيس المحكمة فصل ملف حميد عن سائر المتهمين وإرجاء محاكمته للمرافعة والحكم إلى 17 الجاري.

وانسحب قرار الفصل على كل من الموقوفين رئيس بلدية عرسال السابق علي الحجيري المُلقب بـ«أبو عجينة»، والشيخ مصطفى الحجيري المُلقب بـ«أبو طاقية»، المتهمان بالتحريض ضد الجيش، ونجل الأخير عبادة، وعلى المتهم محمد ملّوك الذي أوقف في 12 تموز الماضي وجرى استجوابه أمس، حيث استمهل المحاميان محمد الفليطي وزينة المصري لسماع شهود وللمرافعة.

وقبل أن تنطق المحكمة بحكمها على المتهمين الـ46 بين موقوفين ومخلى سبيلهم وفارين، بعد إسقاط الدعوى العامة عن قتيبة الحجيري بسبب وفاته، برزت إفادة أحد عمداء الجيش المتقاعدين الذي استمعت إليه المحكمة وكان حينها قائد فوج الحدود البرية الثانية، حيث أكد على تعاون رئيس البلدية مع الجيش في حادثتين سابقتين، كما أن الأخير كان على تواصل معه خلال الحادثة في محلة الرعيان، وقال: «بحسب اعتقادي، المسؤولية الكبيرة تقع علينا».

وروى العميد المتقاعد أثناء سماع إفادته، أنه يوم الحادثة اتصل به رئيس البلدية الساعة الحادية عشرة و45 دقيقة ظهراً مستفسراً منه عما إذا كانت هناك دورية من مخابرات الجيش في محلة الرعيان معلماً إياه أن مسلحين عمدوا إلى قتل خالد حميد وأخذوه معهم، وأن العسكريين عّرفوا عن أنفسهم بأنهم من مخابرات الجيش. ويتابع الشاهد يقول إنه أجرى عدة اتصالات بالقيادات المعنية مستوضحاً ما إذا كانت هناك مهمة نفّذت في عرسال، فأتاه الجواب بالنفي، وعاود الحجيري الاتصال به مبلغاً إياه عن وجود سيارتي هامر عليهما «شادر»، ليعود الشاهد ويتصل بمدير مخابرات البقاع الذي قال له إن هؤلاء هم مسلحون «ويصفّون بعضهم». وكرر رئيس البلدية الاتصال بالشاهد وأبلغه أن الهامر عليها «نمر جيش» كما بدا له من منظار فأرسل حينها الشاهد قوة قوامها ضابط وعسكريين وسيارة هامر و3 ملالات، وحينها تلقى اتصالاً آخر من الحجيري يبلغه فيه «طلعو من الجيش وهم في مبنى البلدية حالياً».

وتابع الشاهد يقول إن الحجيري قال له إن الناس يطلقون النار بالهواء، «وأنا ما بمون عا حدا»، فاتصل حينها الشاهد بأحد الأشخاص مستفسراً ليعلم منه أن عسكريين من الجرحى وشهيدين تم نقلهم إلى المستشفى. وإلى هناك توجه العميد حيث كان العسكريون الجرحى يتظاهرون بالموت خوفاً من قتلهم فنهرهم العميد وعرّف عن نفسه ليشاهد زهرمان قتيلاً فيما استوضح عن القتيل الآخر حيث أبلغوه أنه الضابط بشعلاني، وسأل العسكريين عما حصل فأبلغوه بأن بشعلاني قضى بضربه بالهامر على رأسه. وعلى الفور اتصل به رئيس الأركان سائلاً عن الضحايا والجرحى فأعلمه الشاهد «إننا خسرنا شهيدين وهناك 3 عسكريين جرحى فيما ثمة عسكريين تمكنوا من الفرار في الثلوج».

وبسؤال رئيس المحكمة أفاد الشاهد بأنه بعدما أعلمه الحجيري أن المسلحين هم من الجيش طلب منه الشاهد عدم التدخل، وأن شباناً مسلحين «على الحماس»، تعقبوا العسكريين «وإنفلت الملق». وقال الشاهد: «الخطأ الذي حصل أن عملية المداهمة حصلت يوم جمعة حيث أهالي عرسال في عطلة». وبسؤاله عما إذا طلب من الحجيري «ضبّ الشباب» في أول اتصال به؟ قال الشاهد إنه لم يكن يعلم حينها ما هو الوضع على الأرض بالتحديد، وأنه كان لديه ستة حواجز حول عرسال تابعة له، إنما دورية المخابرات دخلت بطريق ترابي بعد مرورها على أحد الحواجز حيث يبعد منزل القتيل خالد حميد 200 متر، فأكمل بشعلاني طريقه بعد تنفيذ المهمة ثم بالعودة دخل في طريق مقفل بالثلج فطوّقه المسلحون وحصل الاشتباك. وأضاف بأن الحجيري أعلمه بأن الهامر عليها لوحات جيش بعد أن تمت محاصرة الدورية. وقال الشاهد: «بحسب استنتاجي فإن المسؤولية الكبيرة تقع علينا لأنه لم يحصل أي تنسيق بين القيادات العسكرية، ولم يكن أحد من هذه القيادات على علم بها»، فقاطعه رئيس المحكمة موضحاً بأن العملية كانت سرية وقد يكون العالمون بها على نطاق ضيق، وكان رد من الشاهد بأنه لا يريد معرفة طبيعة المهمة إنما كان بأمرته 1200 عسكري.

وهل ذكر الحجيري في اتصالاته به حزب الله؟ أجاب الشاهد بأن الحجيري لم يقل ذلك إنما انتشرت أخبار أن حزب الله هجم على عرسال وقتل خالد حميد. وهل شعر الشاهد أن الحجيري كان يعلم أن المسلحين هم من الجيش؟ قال إن الحجيري في اتصاله الثالث معه أعلمه أن بحوزتهم هامر، ولم يعلم أنهم من الجيش حينها، فقلت له بأنني سأرسل دورية من عندي.

وباستيضاح ممثل النيابة العامة القاضي كلود غانم للشاهد عما إذا كان الضابط الشهيد يرتدي سترة مديرية المخابرات؟ لفت إلى أنه عندما رآه في المستشفى جثة كان يرتدي كنزة سوداء وسروال جينز وكانوا «شي لابس عسكري وشي مدني».

وفي رده على سؤال لوكيل الحجيري المحامي محمد الفليطي قال الشاهد إن الحجيري ساعد الجيش في مهمتين له في السابق الأولى عندما تم تطويق دورية من أشخاص في عرسال وأخرى من مجموعة من الجيش الحر.

كما استمعت المحكمة إلى افادة شاهدين حول إقدام المتهم بكر الحجيري على التعرض للعسكريين خلال نقلهم بسيارات الإسعاف من البلدية إلى المستشفى فنفيا مشاهدتهما له، فيما أفاد شاهد ثالث أنه يوم الحادث نقل بسيارة إسعاف عسكريين من البلدية إلى المستشفى حين قام رئيس البلدية وشخص يدعى محمد الزلعوم بتأمين الطريق لنا وإبعاد الناس تسهيلاً لمهمة نقل الجرحى.

وسبق ذلك استجواب المتهم محمد ملّوك الذي أكد أنه منذ 2013 وحتى توقيفه في 12 تموز الماضي كان في منزله في عرسال وقد أوقف بمداهمة للجيش. ويوم الحادثة شارك في صلاة الجمعة ثم توجه مع صديق له إلى الغداء، وأثناء الطريق سمع عبر مكبرات الصوت أن مجموعة مسلحة من حزب الله تهاجم البلدة فتوجها إلى محلة الرعيان حيث توقفا عند نقطة «سرج حسان»، ولم يكن بحوزته حينها أي سلاح. وووجه المتهم بإفادتي متهمين آخرين حول مشاهدته يحمل السلاح مع مسلحين في محلة «سرج حسان»، إلا أن المتهمين المذكورين تراجعا عن اعترافاتهما ضده. كما أصر المتهم ملوك على عدم حيازته أي سلاح.

وبعدما أعلن رئيس المحكمة فصل ملفات علي الحجيري ومصطفى الحجيري وابنه عبادة ومحمد ملوك وإرجاء محاكمتهم إلى 10 تشرين الأول المقبل، وفصل ملف عمر حميد وإرجاء محاكمته إلى 17 الجاري، طلب ممثل النيابة العامة تطبيق مواد الاتهام بحق المتهمين ثم ترافع المحامون الذي أجمعوا على طلب البراءة لموكليهم خصوصاً أن من بينهم من لم يكن في مكان الحادث، واستطراداً منحهم أسباباً تخفيفية بعد توقيف لامس السبع سنوات بعد احتساب السنة الجنائية تسعة أشهر، مشددين على أن من ثبت بحقهم إطلاق النار باتجاه الدورية، كانوا يعتقدون أنهم مجموعة مسلحة تابعة لحزب الله.