الخطأ الأول للوزير جبران باسيل أنه بَدّى أولويته الرئاسية على أولوية إنجاح المرحلة السياسية الحالية، وخطأه الثاني يكمن في اعتقاده بأنه سيخلف الرئيس ميشال عون في الرئاسة الأولى.
 

ما ينطبق على الرئيس عون لا ينسحب على الوزير باسيل للأسباب الآتية:


أولاً، لا يبدو انّ «حزب الله» في وارد رفع المعادلة نفسها مع باسيل التي كان رفعها مع عون: لا رئيس للجمهورية ما لم يكن عون رئيساً ولو استمر الفراغ في الرئاسة الأولى لسنوات، وعدم حماس الحزب على رغم حاجته إلى شريك مسيحي قوي مردّه إلى أسلوب باسيل الذي استفّز الحزب في أكثر من محطة، فضلاً عن انه وَلّد عداوة مع الرئيس نبيه بري الذي أساساً رفض انتخاب عون من دون ان يقود حملة ضده، ولكن مع باسيل الوضع مختلف تماماً حتى الحزب لا يمكنه تمريره شيعياً، علماً انه ليس متحمّساً له ليخوض معركة طاحنة في سبيل إيصاله.


ولا يجب التقليل من عامل مهم أيضاً انّ عون صاحب توقيع ورقة التفاهم مع الحزب، ويملك شرعية شعبية لا يملكها باسيل بعد غياب عون بعد عمر طويل، وحاجة الحزب الى التحالف مع «التيار الوطني الحر» في مرحلة انقسامية داخلية ودينامية سيادية ١٤ آذارية بعمق عربي ودولي وخشية على وضعه بعد خروج الجيش السوري لم تعد مطروحة بالشكل نفسه، وطبعاً للحزب تحدياته، ولكن المشهد الداخلي تبدّل بعد وصول الجميع إلى قناعة انّ غلبة فريق على آخر غير ممكنة، وبالتالي حاجته للغطاء لم تعد نفسها، فضلاً عن انّ الحاجة متبادلة، حيث انّ التيار بحاجة ايضاً لدعم الحزب، وفي المرحلة المقبلة سيصبح باسيل في حاجة أكبر للحزب من حاجة الأخير الى باسيل نسبة للوضع السياسي أولاً، ولتراجع شعبيته ثانياً، ولطمعه الرئاسي ثالثاً، ولدخوله في مواجهات غير مفهومة مع أكثر من طرف سياسي رابعاً.


ثانياً، لا يمكن لـ«القوات اللبنانية» أن تعيد تجربة دعمها للعماد عون مع الوزير باسيل لمجموعة أسباب أهمها:

- عدم احترامه للتفاهم الموقع منه شخصياً والتراجع عنه بحجج واهية لا تنطلي على أحد.

- سَعيه إلى تحجيم «القوات» ورفضه التعامل معها كشريك فعلي في التسوية الرئاسية، وتكريس ثنائية فعلية أظهرت الانتخابات انها تمثّل ٨٠٪ داخل البيئة المسيحية.


دعم عون بما يمثّل من حيثية ومشروعية تاريخية شيء، ودعم باسيل شيء مختلف تماماً، فيما لماذا على «القوات» أن تدعم باسيل؟ هل لالتزامه معها وحفاظه على التفاهم والاتفاق مع الدكتور جعجع على مقاربة رئاسية مشتركة ووطنية واحدة؟ ويدرك باسيل انه حتى قبل ان تُظهر الانتخابات الحجم الفعلي لـ»القوات اللبنانية» لم يتمكن العماد عون من العبور إلى الرئاسة الأولى إلّا عبر دعمها، وبالتالي هل يظن باسيل انّ باستطاعته ولوج القصر الجمهوري من دون «القوات»؟


ثالثاً، الرئيس سعد الحريري لم يدعم العماد عون إلّا بعد دعم «القوات» له وعدم قدرته على إيصال رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية، وحاجته للعودة إلى رئاسة الحكومة الأمر الذي لم يكن ممكناً سوى بدعم خيار عون كون دعم «القوات» له أقفل الخيارات الرئاسية الأخرى. وعلى رغم حالة الوئام التي جمعت الحريري وباسيل في حكومة العهد الأولى، إلّا انّ العلاقة تراجعت ولم تعد بالمستوى الذي كانت عليه، لا سيما انه لَمسَ لمْس اليد انه في اللحظة التي دخل فيها في تباين مع باسيل حكومياً استعاد الأخير بعضاً من خطابه العدائي السابق ضد السنّة بكلامه عن تعديل مهلة التكليف وانّ الوقت شارفَ على الانتهاء وإلى ما هنالك من عدائية أطَلّت بوجهها مجدداً، ولولا الظرف السياسي ومعرفته باستحالة تغيير الوقائع لكان ذهب أبعد من ذلك.


ومن ثم الحريري لن يذهب إلى خيار يرفضه حليفه الدكتور سمير جعجع القادر على تعطيل اي توجّه من هذا النوع سعودياً، كما انه لا يستطيع ان يتحمّل منفرداً دعم خيار من هذا النوع سنياً وسعودياً ومن دون تغطية حليفه جعجع، فضلاً عن انّ التجربة الأخيرة علّمت الحريري انّ التوازنات داخل الجماعات دقيقة للغاية، ودعم باسيل إلى رئاسة الجمهورية يوازي دعم جعجع شخصية سنّية أخرى إلى رئاسة الحكومة، وبالتالي لن يقدم مجدداً على خيار من هذا النوع من دون حليفه المسيحي الاستراتيجي ومن دون الرئيس بري ورئيس «الحزب التقدمي الإشتراكي» وليد جنبلاط.


رابعاً، معارضة جنبلاط لانتخاب باسيل لن تقلّ عن معارضة بري، بل ستكون الأشد ضراوة، لأنّ باسيل دخل إلى البيت الدرزي ودعم النائب طلال ارسلان في مواجهة «الإشتراكي»، وسعى لتغليب طرف على آخر خلافاً لتوجّه الموحدين الذين حسموا خياراتهم في صناديق الاقتراع. وبالتالي، أوجَد مشكلة داخل البيئة الدرزية لا يمكن ان يتهاون معها جنبلاط، لأنّ ايّ تهاون يؤدي مع الوقت إلى تكريس واقع جديد لن يسمح بتكريسه، ولذلك سيكون من أكثر المتصَدّين لانتخابه.


خامساً، الرياض التي لم تكن متحمّسة لخيار العماد عون وحمّلت حليفيها جعجع والحريري مسؤولية هذا الخيار، لن تكون بالتأكيد متحمّسة لخيار باسيل الذي معظم مواقفه ملتبسة، ويدعم خيار التطبيع مع النظام السوري، والأهم من كل ذلك انها لن تسير بخيار يرفضه رئيس «القوات اللبنانية».


سادساً، واشنطن التي لم يتمكن باسيل بعد من إقامة علاقات ثقة وتعاون معها ولم ينجح بعقد لقاءات ثنائية أقله مع وزير خارجيتها، لن تكون متحمّسة لخيار لا يدعم بوضوح القرارات الدولية وسياسة النأي بالنفس، ولم تتردد في توجيه رسالة له على أثر لقائه بنائب وزير خارجية أميركا لجهة ضرورة احترام سياسة النأي بالنفس.


وفي مطلق الأحوال القرار الأساس في الاستحقاق الرئاسي هو لبناني، والسؤال الأساس هو كيف يمكن لمرشّح رئاسي أن يَطأ عتبة القصر الجمهوري في ظل معارضة جعجع وبري وجنبلاط وعدم استعداد الحريري على الإقدام على خيار يتعارض مع الثلاثي المذكور ومع السعودية، كما عدم حماس «حزب الله»، فضلاً عن معارضة فرنجية الذي لن يقبل هذه المرة بأن يُبدّي الحزب خيار باسيل على حسابه، لأنه إذا كان مفهوماً دعم الحزب لعون، فلن يكون مفهوماً دعمه لباسيل، الأمر الذي سيجعل الحزب يستبعد الخيارين معاً نظراً للعدائية الموجودة بينهما، حيث انّ دعم اي خيار سيجعل الخيار الآخر ضده.


وتِبعاً لكل ما تقدّم من اعتبارات، يجب الإقرار بالحقائق الآتية:

أولاً، مواصلة باسيل سعيه للرئاسة مضيعة للوقت واستنزاف كبير للتيار ورصيده، فهذا الأمر لن يتحقق.

ثانياً، باسيل كان أمامه فرصة تعزيز علاقاته مع القوى التمثيلية، مع جعجع مسيحياً، وبري شيعياً، وجنبلاط درزياً، والحريري سنّياً، ولكنه ذهب باتجاه مواجهتها منفردة ومجتمعة، الأمر الذي أفقد ايّ ثقة بباسيل والتعاون معه.

ثالثاً، العهد دفع وسيدفع الثمن الأغلى لتقدّم أولوية خلافة باسيل على أولوية إنجاح العهد، فيما نجاحه كان سيكون كفيلاً بتعزيز فرَص باسيل لو أحسن إدارة علاقاته السياسية.