قاربَ الأدبُ ظاهرة الاستعمار وسلوكيات الشعوب التي يعاني أفرادها من سياسة المستعمرين الذين يستهدفون ركائزَ التكوين الثقافي للمغلوب على أمرهم إلى أنْ تتلاشى خصوصياتهم ويكونوا مُطيعين لإملاءات الغالبين. وقد لا ينجحُ الوافدون في تحقيق هذا المشروع مباشرةً، غير أنّهم بما يمتلكون من الوسائل المتعددة يستدرجون في تجنيدِ متعاونين، وهذا مايدور الجدلُ حوله في أدبيات ما بعد الاستعمار؛ إلى من ينتمي هؤلاء الأشخاص الذين كانوا جزءاً من أجهزة الاحتلال بعدما يحزمُ المستعمرون حقائبَهم؟
 

ناقشَت السرديات الروائية، خصوصاً في الجزائر، هذه الحالة، وما ألّفه بعض الروائيين الفرنسيين بشأن مرحلة احتلال بلدهم للجزائر لا يقفزُ على هذا الموضوع. وكان من المتوقّع أن تتناولَ الروايات العراقية الصادرة بعد عام 2003 آثار الاحتلال الأميركي وطبيعة العلاقة القائمة بين الغالب والمغلوب. لكن يبدو أنّ واقع العراق أكثر تعقيداً وأشدُّ التباساً نتيجة وجود طبقة سياسية من طوائف وقوميات وانتماءات متنوّعة ساندت المشروع الأميركي واحتمَت بمظلّته، الأمر الذي ينعكسُ بوضوح في الأعمال الروائية التي تابعت حيثيات الغزو.

بين بيئتين
وتُعَدّ الكاتبة والروائية العراقية إنعام كجه جي من أوائل من التفتوا إلى تنقاضات المرحلة. وبادرت إلى مُعالجة مفهومٍ شائك وهو عودة المواطن إلى دياره بصفة المُحتل في روايتها المعنوَنة «الحفيدة الأميركية»، التي وصَلت إلى القائمة القصيرة لجائزة بوكر. إذ يتراوحُ العملُ بين بيئتين، وترى في ما تحكيه الراوية زينة بهنام طبيعة المجتمعَين العراقي والأميركي، وتبدأُ حركة السرد من اللحظة التي تنوء فيها البطلة بحمل من الذكريات والشجن بعد انتهاء عملها مع الجيش الأميركي، ولم تَعدْ تلك الفتاة المرحة التي تقودُ عصابةً تضمُّ المهاجرين من عدّة دول عربية، يجتمعون أوّل سبتٍ من كلّ شهر في مدينة ديتروت، بل أصبحت تختبر مشاعرَ مُتناقضة واقعةًَ في أحابيل الذاكرة.

وطن بديل
ما تسرده الراوية في الفقرات الأولى يكشفُ طبيعة الحياة في وطنِها البديل والنظام القائم على مبدأ الرأسمالية، حيثُ يكونُ المال عاملاً أساسياً في دمج المُهاجرين داخل المجتمع الأميركي، لذا ما إن يتمُّ الإعلانُ عن توفير الوظائف في مؤسّسة الجيش لمن يريد أن يشتغلَ مترجماً قبل شنّ الحملة العسكرية على العراق، حتى يقبل عليها المُقيمون في أميركا وهم من جنسيات وأعراق مُختلفة، لا سيّما أنَّ المبلغ يخلب القلب ويبلبلُ العقول على حدّ وصفِ زينة.


ومن ثُمَّ تُصادف البطلةُ ما نُشِرَ على موقع الـ«FBI» عن حاجة الوكالة لمُترجمين عرب، ويأتي هذا الاهتمام بتجنيد الناطقين بلغة الضاد على خلفية هجمات 11 أيلول وما تبعَها من الاستنفار للحرب.


بدورها، تنضمُّ زينة صباح بهنام إلى الجيش بعد اختبارات مُضنية وملءِ الأوراق وإجراء الفحوصات الطبّية وارتياد مبنى الـ«CIA» في فرجينا، إلى أن انتهى الأمرُ بتجهيز الملابس العسكرية والتموقعِ في المُعسكر مع رفاق الرحلة، حيث ترافق زينة شابتان تعرف من خلال لهجتهما أنَّ إحداهما مصرية والأُخرى لبنانية. لا يُخفى على زينة ما هو كامن وراء ضحكة وقهقهات الرفاق من القلق والتوتّر، الأمر الذي يذكّرها ببنيامين الذي لم يكفّ عن الضحك بعد فقدِ إبنِه في الحرب إلى أن أُودِع في الشماعية. بينما يتابعُ المتلقّي هذه الإجراءات التي تسبق الرحلة ويُفاجَأ بانتقال السرد نحو المستوى التجريبي.

قرين
تسبتطنُ صاحبة (طشاري) دواخل شخصية زينة في المسافة التي تستغرقها الرحلةُ من ديترويت إلى فرانكفورت. ويبدأُ النزاع الشديد بين البطلة ومن تُسمّيها بالمؤلّفة، وليست الأخيرة إلّا صورة أخرى لشخصية أولى، ويأتي هذا الانشطارُ نتيجة ما تضجُّ به أعماق زينة من مشاعر مُتناقضة، فمن جانبٍ تريدُ أن تتصرّف وفقاً لقواعد براغماتية وتقتنعُ بصحّةِ الانضمام إلى الجيش الأميركي، وتؤرقها من جانب آخر القرينةُ مذكّرةً إياها بما ينقضُ خيوط قناعتها الواهنة.


وتبتزّها باستعادة تاريخ لا تتّسقُ مفرداتُه مع الحاضر، فتُقابلها بصورة الجدّة رحمة وهي تبدو في مظهر شخصية أمينة رزق بفيلم (ناصر)، ومن الواضحِ ما تُحيل إليه مكوّنات هذا التشبيه.


يُذكر أنَّ التفاعل مع السينما عنصر من تشكيلة هذا النص الروائي، وذلك بتخيّل المواقف التي تمرُّ بها البطلة في مادة صورية مع اختيار العناوين لها. إذ تطلق الراوية على مشهد إنهيار البرجين عنوان (برج الجحيم) وتحددُ عنواناً سينمائياً لقصّة الحب القائمة بين فرانكي والفتاة العراقية في تكريت (جوليت في تكريت).

بنية متوازية
يتّخذُ السردُ بنيةً متوازيةً تتعاقبُ الوحدات عن حياة الأُسرة قبل مُغادرة العراق، كاشفةً عن تماسكِ البيئة التي نشأت على كنفها زينة، إذ إنّ اختلاف الديانات لا يتحوّل إلى حاجز بين أتباعها، لذا مِن الطبيعي أن تتربّى حفيدة رحمة المتضرّعة إلى مريم العذراء والقديسين على يد إمرأة مسلِمة أم حيدر. أكثر من ذلك، فإنّ السنوات التي قضتها زينة بعيدةً عن وطنها الأوّل لم تؤدِّ إلى إلغاء مشاهد الطفولة في ذاكرتها، وما إن يقع نظرها على المئذنة الملوية في سامرّاء حتى تتداعى في ذهنها ذكرى رحلات مدرسية، وتقول لرفاقها العسكريين: «لقد ارتقيتُ كلّ تلك الأدراج دون العاشرة»، وعندما تمرُّ زينة بالحطام المُتراكم في المدن العراقية تستدعي ما رأته في نيويورك سابقاً كأنّنا أمام السبب والنتيجة.

جذور
إنْ كانت العودة إلى العراق قد اكتسبَتْ شكلاً وظيفياً في البداية، فالأمرُ سيتّخذُ مسارات أخرى وتتضاعفُ المؤشرات المُفضية نحو مسالك الذاكرة مع مضيّ الوقت. ما يعني صعوبة التعالي عن الجذور، وعندما تُصادف زينة في طريقها إلى بيت الجدة رَجلاً يُسمِعها كلمات غزلية تتوق إلى هذه العبارات وتدرك الفرقَ في التعبير عن الإعجاب لدي شخصيتين، الأميركية والعراقية، فتشفقُ على حبيبها الأميركي «كالفن» الذي يعجز في محاكاة ذلك العراقي الذي نفضَ الغبار عن أنوثتها.


وزيارة زينة إلى بيت رحمة في بغداد متنكّرة بعباءةٍ بمثابة عملية الترميم لمرحلة ظنَّت وقوعَها في طيّات النسيان الأبدي. هنا تسمعُ سيرة حياة جدها العسكري يوسف على لسان رحمة وحين تتساءَلُ كيف كان جدّي قومياً وهو المسيحي الكلداني، يأتي الردُّ موضحاً عن عدم التنافر بين الدين والوطن، وتخبرها الجدّة بأنَّ احترام العقيد يوسف وصَل إلى حدّ لم يعاقر الخمر بالزيّ العسكري. ما يُظهرُ تعمُّقَ الانتماء لدى زينة وحساسيتها الشديدة لتركيبة بيئتها، هو ردُّ فِعلها للجنود الذين يحاكون بطريقة ساخرة مواكبَ العزاء في المناسبات الدينية، ولكن الحساسية الوطنية تَتَمثّل أكثر في سخطِ الجدة على زيارة حفيدتها مع رتل عسكري، مُطالبةً إيّاها بعدم معاودة الزيارة مع هؤلاء العجايا.

قصة حب
وينفتحُ النصُ على قصة الحب الذي ينمو بين زينة ومهيمن، فالأخير أخوها في الرضاعة لكن لا ترى زينة في ذلك ما يمنع وجود علاقة عاطفية حميمة بينهما.


تتواردُ المشاهد في تضاعيف العمل حول مداهمة الأميركيين للبيوت ومِن ثمّ تأثير تعاظم القتلى من الجنود على الداخل الأميركي.


قبل عودتها إلى أميركا، تحضرُ زينة في صلاة الجنازة على روح جدتها رحمة فتوحي الكلدانية. وتنتهي الرواية برمي الزيّ العسكري، وهنا تتذكّر ما قاله صديقها من البصرة (أكلنا الخرا يا زينة).


يُشار إلى أنّ المواد الإخبارية والإحالات إلى تواريخ معيّنة ترفد مبنى النص بمزيد من الخصوصية على المستوى الأسلوبي.