في ملعب مَن كرة الحل لأزمة التأليف؟ رئيس الجمهورية يتسلّح بتوقيعه النهائي على تشكيلة الحكومة وبصهره جبران في بازار الأخذ والرد والبيع والشراء، الرئيس المكلّف يتسلّح بعدم تقييد التأليف بنص قانوني او دستوري، وسقفه الزمني مفتوح الى ما شاء الله...
 

الرئيسان هما صاحبا الصلاحية الدستورية بتأليف الحكومة، وفي الأزمة الراهنة يتشاركان العقدة المعطلة. ولم يقتربا من حلها بعد، وامّا الحل فبيدهما معاً، ولا يستطيع ان يفرضه ايّ منهما. وهنا أصل العقدة.


هذه الحقيقة تنفي فرضية التعطيل الخارجي، التي لو تم إسقاطها على المسرح سينبري سؤال: من هو هذا الخارج، وما مصلحته، ولأي هدف يعطل؟


ثمّة جزم سياسي شبه عام بأنه اذا كان المقصود بالخارج هو الغرب، فلا دليل، فضلاً عن انّ للغرب مصلحة دائمة في استقرار لبنان، والتعطيل قد يشكّل في حال استمر وطال أمده واستفحل معبراً الى فوضى سياسية وتوترات قد تمسّ هذا الاستقرار، الذي لطالما شكّل اولوية كبرى لدى الغرب، كونه صمّام الامان، ليس للبنان بل المانع لانفجار قنبلة النازحين الذي يخاف أن تصيبه شظاياها البشرية فيما لو انفجرت.


امّا اذا كان المقصود بالخارج المعطّل، هو دولة اقليمية لها حضورها الفاعل في لبنان وحلفاؤها المعروفون، فأيّ فائدة تجنيها من تعطيل حكومة لحلفائها دور وحضور وموقع متقدّم فيها؟


قد لا يعني ذلك عدم وجود «تمنيات» بإرضاء «طرف معيّن»، الّا انّ المشكلة لا تكون بالتمنيات بحد ذاتها، بل في من ينظر اليها على أنها «أوامر»، لا يعرف كيف يدوّر زوايا هذه التمنيات، وكيف يترجمها بحجمها لا أكثر ولا أقل.


إذاً مشكلة التأليف ليست جرّاء عامل خارجي، بل هي في مطبخ التأليف نفسه، وتحديداً عند «الشيف العوني»، وعند «الشيف الحريري».


جوهر هذه المشكلة انّ التأليف لا يتم وفق عنوان «حكومة وحدة وطنية»، الذي يتكرر على هذا الخط، بل يتم بطريقة أشبه ما تكون بـ«الصفقة». ومعلوم في عالم الصفقات انّ اي صفقة في نهاية الامر تكون من نصيب الأقوى. وبطبيعة الحال الخاسر هو الضعيف.


في التفصيل، يظهر انّ السبب هو غياب معيار التأليف والتوزير. الذي ولّد معايير عشوائية، أظهرت تمثيلاً انتقائياً ناقصاً ليس جامعاً، يحلل التمثيل لفئة ويحرمه على فئة أخرى، وبفوارق فاضحة بين طرف وآخر. وامّا صاحب الصلاحية هنا، فهو الرئيس المكلّف الذي يؤخذ عليه انه لم يضع معياراً محدداً فور تكليفه. ما يعني انّ الكرة في ملعبه قبل اي طرف آخر.


فلو انّ الحريري قال من البداية انه يلتزم بحكومة وحدة وطنية تضم الجميع، وانه سيعتمد في تشكيلها معياراً معيّناً (كل كتلة من 3 نواب او 4 او 5، تتمثّل بوزير) ويطبّقه على الجميع من دون استثناء بدءاً به شخصياً. وبناء على ذلك، وبعد مشاوراته مع الفئات السياسية، يعدّ مسودة حكومية متوازنة وعادلة عددياً وتمثيلياً، ويقدمها لرئيس الجمهورية ويقول هذه مسودة الحكومة التي اريدها، ألم يكن ليحرج الجميع؟

 

وهل كان رئيس الجمهورية ليرفضها او يتحفظ عليها، بل هل يستطيع ان يرفضها اذا كانت مثالية وينطبق عليها الاسم الذي يفضله عون «حكومة العهد»؟ وألم يكن ليوفّر اشتعال حرب الاحجام التي ما زالت محتدمة على اكثر من جبهة سياسية وتُنذر بمزيد من التصعيد؟ وقبل كل شيء ألم يكن ليوفّر على نفسه، سوء التفاهم بين الرئاستين حول الصلاحيات، والاعلان المتكرر أكثر من مرة بأنه هو من يشكّل الحكومة؟


اما لماذا لم يبادر الحريري الى تحديد المعيار الموحد، فلأنه، وكما يتهمه البعض، يريد حصر التمثيل السني في الحكومة بتيار المستقبل أسوة بالثنائي الشيعي، ويرفض تمثيل مجموعة النواب السنة الآخرين وعددهم عشرة. بينما من جهة اخرى يتفهّم مطلب وليد جنبلاط بحصرية التمثيل الدرزي، ويُماشي «القوات» في حربها حول الحكومة مع التيار.


من الطبيعي جداً - في هذا البازار والنقاش الجاري على طريقة الصفقة «11 وزير كتير، بقبل بـ10»- ألّا يمتلك الرئيس المكلف حجة قوية او قدرة إقناعية لشريكه في التأليف لإتمامه على هذا النحو، وامام هذا الوضع، الذي يعتبر فيه هذا الشريك أنه في موقع الأقوى، فإنه - اي الشريك - ماض وفريقه السياسي في الاستثمار على فرصة ثمينة، بدأ بالتصلّب مع القوات، وقد لا ينتهي برفع سعر تمثيله الى ما يزيد عن 11 وزيراً.


في هذا الجو، كلام متجدّد عن فرصة اسبوع، وانّ الحريري بصدد إعداد مسودة حكومية جديدة. لكن لا احد يعرف كيف ستعبر، خصوصاً ان لا شيء يبشّر انها ستكون وفق المعيار الواحد المتوازن والعادل، الذي غادر من كل الاحتمالات ولن يعود.