في كواليس المفاوضات حول تأليف الحكومة، تبلّغ الرئيس سعد الحريري الآتي: على الحكومة المقبلة أن تكون مستعدة للانفتاح على دمشق. وكل المبرّرات والعناوين جاهزة. وهناك مخارج كثيرة سيجري عرضُها للحدّ من الإحراج لدى البعض. كما أنّ هناك تدرّجاً في جرعات الانفتاح ستتمّ مراعاتها لتسهيل المهمّة. وما عليكم إلاّ أن توافقوا على هذا المسار التدريجي.
 

لكنّ هذا الطرح ليس جديداً على الحريري. ففي ظلّ حكومته الحالية، واجه الحريري وحلفاؤه في «القوات اللبنانية» محاولات الانفتاح المقصودة على دمشق، من خلال زيارات وزراء للعاصمة السورية، واتّصالات على مستويات إدارية وأمنية.


لقد تعاطت قوى 14 آذار مع هذا الانفتاح بوسائل مختلفة: عند المستوى الأول، اعتبرت أنّ زيارات الوزراء لدمشق تمّت على مسؤوليتهم الشخصية ومن دون موافقة مجلس الوزراء، أي إنها تمّت من دون تغطية، وتالياً لا تترتّب عليها أيّ مسؤوليات رسمية.


عند المستوى الثاني، وافقت 14 آذار «واقعياً» على الاتصالات ذات الطابع الإجرائي، لا السياسي، بين الإدارات والأجهزة في البلدين، ولا سيما منها الأمنية والعسكرية المتعلقة بالإرهاب وبملف النازحين. والمبرِّر هو أنّ غالبية دول العالم، حتى المعادية للنظام، تتعاطى مع سوريا الدولة وأجهزتها، إدارياً وأمنياً، فكيف للبنان أن يقاطع هذه الأجهزة؟


لكن ما يجري التحضير له اليوم هو المستوى الثالث من الانفتاح، أي الانفتاح المباشر والعلني بين الوزارات في البلدين، والذي يحظى بتغطية مجلس الوزراء. وهذا الانفتاح يراد منه التأسيس للمستوى الرابع، أي للتطبيع السياسي مع النظام. وعند هذه النقطة تدور اليوم مفاوضات التأليف.


بالنسبة إلى حلفاء النظام، لا مجال لقيام حكومة تستمرّ في مقاطعة دمشق. وفيما يبقى حسمُ التطبيع السياسي مع الأسد مؤجَّلاً في الوقت الحاضر، فإنّ فتح الملفات الساخنة ذات الطابع الأمني والاقتصادي والاجتماعي بات أمراً لا يمكن تأجيلُه. وهنا يبرز ملف النازحين في واجهة الأولويات.


وفي الأسابيع الأخيرة، دفع «حزب الله» و»التيار الوطني الحرّ» بهذا الملف إلى الصدارة بقوة من خلال اللجان الحزبية الخاصة التي أنشأها كل منهما، والمعنية تنفيذياً بتنظيم إعادة النازحين الراغبين في العودة، عبر لجان تُعنى بتسجيل أسمائهم والتنسيق مع الأجهزة اللبنانية والسورية لتحقيق هذا الهدف.


وهذه المهمّة التي يعتبرها «الحزب» و»التيار» ضرورة وطنية لإخراج ملف النازحين من الجمود، فيما يعتبر الحريري وحلفاؤه أنها عملية التفاف على دور الحكومة في مرحلة تصريف الأعمال، وأنها تفرض أمراً واقعاً عليها وعلى الحكومة التي يعمل الحريري لتشكيلها.


وتقول مصادر «التيار» ردّاً على ذلك: «كان لا بدّ من مبادرة عملانية تضع الجميع أمام مسؤولياتهم في ملف النازحين. فلا تجوز المماطلة والاستسلام لمشيئة المجتمع الدولي الذي يريد أن يريح نفسَه من أعباء النازحين بتطبيع إقامتهم في لبنان وسائر بلدان الجوار». وتضيف: «أما الذين يرفضون الاتصال بالنظام والتعاون معه لمعالجة هذا الملف فنقول لهم: إذا كانت لديكم طرقٌ أخرى للمعالجة فنحن على استعداد لنمشي فيها… وأما الرفض لمجرد الرفض وتكريس المخاطر الداهمة على لبنان فلن نقبل به بعد اليوم، خصوصاً أنّ النظام على وشك أن يستعيد سوريا بكاملها، باعتراف إقليمي ودولي».


وفي تقدير المتابعين أنّ ملف النازحين سيكون في واجهة الملفات التي ستطرَح نفسَها بقوة على طاولة الحكومة المقبلة، وسيكون الحافز الأساسي للمطالبة بالتنسيق بين الحكومتين اللبنانية والسورية، في موازاة ملفات اقتصادية حيوية، ولا سيما منها الترانزيت عبر سوريا، والكهرباء والنفط وإعادة إعمار سوريا. وهذا ما يستدعي حراكاً بين الوزراء المعنيين في البلدين.


عملياً، عند حصول ذلك، سيكون لبنان قد لامس حدود التطبيع السياسي مع النظام. وعلى رغم أنّ أيَّ طرف سياسي لبناني لا يطالب بهذا التطبيع حالياً، إلاّ أنه سيصبح تلقائياً في مرحلة مقبلة. فلا يمكن أن تكون هناك مقاطعة في السياسة والأمن، مقابل التنسيق في الاقتصاد والنازحين، مع التذكير بأنّ التنسيق في مجال الأمن لم يتوقف يوماً.


إذاً، يحاول الحريري أن يتجنّب ورطةً محتومة في حكومته المقبلة، وتتمثّل بالضغط الهائل الذي سيمارسه شركاؤه في الحكم لفتح أبواب العلاقة مع دمشق، انطلاقاً من ملف النازحين، والتأسيس لمرحلة جديدة. ويرى أنّ النظام سيستفيد من الملف لفتح خطوط الاتصال السياسي مع الحكومة اللبنانية، لكنه سيماطل في إيجاد الحلول لملف النازحين، لكي يستمر في استثماره سياسياً.


وأكثر فأكثر، يظهر ارتباط ملف النازحين بأزمة التأليف. وهو يتّخذ أبعاداً سياسية عنوانها: الانفتاح مع نظام الأسد. وبين ضغوط «حزب الله» و»التيار» في هذا الاتّجاه ورفض الحريري وحلفائه، يبدو الجميع مضطراً إلى إمرار القطوع مرحلياً وتأليف الحكومة. وبعد ذلك، لكل حادث حديث.


وعلى الأرجح، يتم تأليف حكومة يتوافق فيها الجميع - مبدئياً - على فتح خطوط تواصل مع دمشق، محصورة بالمعنيين وذات طابع تقني، لمعالجة الملفات الساخنة ولا سيما منها ملف النازحين. ويأمل الحريري في أن «يفرمل» حدود الانفتاح على دمشق - الأسد وأن يبقيها ضمن هوامش ضيقة.


لكنّ هذا الحلّ لن يكون واقعياً في مراحل لاحقة، لأنّ لبنان قد ينزلق تدريجاً إلى مسار الانفتاح السياسي مع الأسد تحت تأثيرات مختلفة. وعندئذٍ، سيكون الحريري وحلفاؤه أمام استحقاق القبول بالأمر الواقع أو إسقاط الحكومة. وفي هذه الحال، تكون تسوية 2016 قد طارت بكاملها. ولذلك، عندئذٍ، سيجري الجميع حساباته بواقعية ولن يتسرَّع!