رغم انقضاء العام الدراسي، تستمر المعركة بين إدارات المدارس الخاصة والمعلمين والأهالي من دون هوادة، وسط أجواء من التشكيك وانعدام الثقة إلى حدّ ملامسة الثأر، أهالي يُبدّلون مدارس أولادهم، إدارات تستغني عن معلميها، معلمون يرفعون دعاوى بحق إداراتهم. وجديد فصول تلك المعركة، «صرف أكثر من 500 معلم من وظيفتهم» وفق ما أكّده نقيب المعلمين رودولف عبود في حديث لـ«الجمهورية». وفي سياق متصل علمت «الجمهورية» «أنّ اجتماعاً بعيداً من الإعلام سيُعقد في بكركي اليوم، وقد دُعيَ إليه الرؤساء العامّون والرئيسات العامّات للرهبانيات اللبنانية في حضور عدد من النواب، حيث سيحتلّ الشقّ التربوي حيّزاً من النقاش إلى جانب قضايا أخرى».
 

يستعدّ صباح اليوم، الصرح البطريركي لاحتضان اجتماع بين الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي والرؤساء العامّين والرئيسات العامّات للرهبانيات، قبل أن ينضمّ إليهم ممثلون عن الكتل النيابية للاطّلاع على واقع الأزمة ومعرفة صرخة الرهبانيات وهواجسها. وعلمت «الجمهورية» أنّ هذا الاجتماع يأتي بعد تفاقمِ نقمةِ الرهبانيات من تقصير الدولة في تسديدها متوجّباتٍ للمؤسسات التربوية، الاستشفائية... وبعد التداعيات التي أرخاها القانون 46 على سير تلك المؤسسات، وخطورة الوضع المالي المتدهور.

في الكواليس


إلى ذلك، تستعر المعركة التربوية، لا سيّما وأنّ اليوم يُصادف 5 تمّوز موعد الانتهاء من تسجيل التلاميذ للسنة الدراسية المقبلة وتجديد عقود أساتذة أو فسخِها. في هذا الإطار كشفَ عبود لـ«الجمهورية»، «أنّ نقابة المعلمين تُعدّ لمؤتمر صحافي قريباً تُفنّد فيه بالأسماء المدارسَ التي احتالت على أساتذتها وصرَفتهم بذريعة تداعيات السلسلة، وغيرها من الأمور التي بقيَت «مستورة»، وذلك بعد ان تَعقد النقابة اجتماعها التنسيقي يوم غدٍ الجمعة».

البطالة تطاول المعلّمين


وأوضَح عبود: «إجتماعُنا غداً كمجلس النقابة، تحضيراً لمؤتمر صحافي سنعدّد فيه «الفظايع» بالجملة من دون إبقاء أيّ سِتر مقفل، ما إن تكتمل المعطيات لدينا والإحصاءات». وتابع: «ما يثير الريبة أنّ بعض الإدارات تدفع تعويضات هائلة، تتجاوز المئة مليون للمعلم لدفعِه نحو الإستقالة، وهي تستهدف قدامى المعلمين أي الخميرة»، تغريهم بمبالغ تثير الشكوك «وين كانوا هالمصاري؟ شو عم بهرّبون؟»، وإذا كان بوسعِ تلك الإدارات تسديد هذه التعويضات لماذا لم تحافظ على أساتذتها سنة وسنتين إضافيتين؟». وتابع متأسّفاً: «في المقابل بعض الإدارات تصرف عدداً من معلميها من دون أيّ ليرة، ما يدفعنا للتوجّه إلى رفع الدعاوى».


أمّا بالنسبة إلى العدد التقديري للأساتذة المصروفين حتى الآن، فقال: «الإحصاءات لم تكتمل لدينا بعد، ولكن في ضوء الشكاوى التي تلقّيناها والملفات التي نلاحقها تبيّن صرفُ ما لا يقلّ عن 500 و600 معلم».


وتوقّف عبود عند نموذج من العقد التي يتخبّط فيها بعض الاساتذة، قائلاً: «على سبيل المثال بعض المدارس المجانية التابعة للمقاصد ستقفل أبوابها، وبحسب القانون تتحمّل الإدارة نِصف التعويض، وصندوق التعويضات النصف الآخر. ولكن بما أنّ جمعية المقاصد في بيروت لم تسدّد متوجباتها من اشتراك لصندوق التعويضات منذ سنوات، والتي تلامس قيمتها نحو 11 مليار ليرة، رغم أنّها كانت تحسم من رواتب معلميها، لذا صندوق التعويضات لن يسدّد ما يتوجب للأساتذة، علماً أنه كان متساهلاً مع إدارة المقاصد خلال هذه السنوات «كأن مطنش»، ولكن في النتيجة ما ذنبُ الاستاذ كي يُحرَم من حقوقه؟».
أمّا بالنسبة إلى مصير الدرجات الست، فقال عبود: «الكباش على حاله، القانون لم يطبَّق وموقفنا لن نتراجع عنه قيد أنملة، لا بل زِدنا تمسّكاً به نتيجة تعاطي بعض إدارات المدارس بشكل غير تربوي، فيما شبحُ الصرف يطارد المعلّمين بذريعة السلسلة والدرجات السِت». وأضاف: «نأبى أن يحدّثنا أحد عن تعديل القانون أو تقسيط الدرجات، هذه التدابير وسواها من دون أيّ مفعول رجعي سنتصدّى لها، سنُجبرهم على تطبيق القانون». ويتابع: «كيف بنا نقبل التنازل عن حقّنا بالدرجات بعدما أمعنَت بعض الإدارات في صرف معلّميها؟».

أين كانوا يوم حذّرناهم؟


في المقابل يقول منسّق اتّحاد المؤسسات التربوية الخاصة وأمين عام المدارس الكاثوليكية الأب بطرس عازار بنبرة غاضبة: «لا نزال عند موقفِنا، أنّ على الدولة تحمُّل تمويل الدرجات السِت»، مشيراً إلى أنه «بسبب الوضع الذي استجدّ نتيجة سلسلة الرتب والرواتب أجبِرَت معظم المدارس على إعادة حساباتها ورسمِ سياسة عمل جديدة». وتابع مستغرباً: «أين كان المعنيّون يوم بُحَّت حناجرنا ونحن ننادي ونحذّر من شبح البطالة من أن يطال المعلمين فيما لو فُرض القانون 46 على إدارات المدارس الخاصة؟». وتابع في حديث لـ«الجمهورية»: «طبيعي أن يتذمّر المعلمون من موجة الصرف، ولكن لا بدّ للمدارس من أن تؤمّن استمراريتها، وقد تُجبَر على اتّخاذ تدابير قد لا تُعجب البعض».


وتوقّف عازار عند تدابير أخرى قد تُجبر الإدارات على اتّخاذها إلى جانب الحدّ من إعداد أساتذتها، قائلاً: «تختلف الخصوصية من مدرسة إلى أخرى، ولكن بصورة عامة، من أساليب التقشّف التي قد يُلجَأ إليها زيادة أعداد التلاميذ في الصف، على سبيل المثال مَن كان يضع نحو 20 تلميذاً في القاعة قد يزيد إلى الـ35». ويضيف: «ومَن كان يتعمّد تكثيفَ الانشطة التثقيفية لرفع مستوى العمل التربوي غيرَ مبالٍ لساعات العمل الإضافية، قد يجد نفسَه مجبراً على التخلّي عن تلك الكماليات».

مدارس تقفل


لا يُخفي عازار خشيته من شبحِ الإقفال من أن يطال المدارس الخاصة، قائلاً: «علمت أنّ مدرسة ماريوسف الظهور في منطقة صور، والتي يتجاوز عمرها 140 سنة، أعلنت إدارتها أنّها لن تفتح أبوابها السنة المقبلة، نتيجة الظروف والتحدّيات المحيطة، وتدنّي عددِ الطلاب فيها». ولفتَ إلى أنه «من تداعيات إقفال المدارس، لا سيّما في المناطق الجبلية وتلك النائية، النزوحُ العائلي، الذي سيُعيد رسمَ ملامحِ القرى الفارغة من أهلها، من هنا أهمية تعزيز ثباتِ تلك المؤسسات التربوية وصمود الأهالي».


في وقتٍ تنهمك نقابة المعلمين في ترتيب ملفّها لفضحِ كلّ «مخالفات المدارس»، أكّد عازار أنّه كأمانةٍ عامة للمدارس الكاثوليكية، «قد أرسَلنا إستمارات للإدارات تتضمّن جملةً من الأسئلة والتي في محصّلتها سنُكوّن صورةً حقيقية عن حجم الواقع المرير والثغرات التي برزت بعد عامٍ دراسي لا نُحسَد عليه في لبنان وبعد إقرار القانون 46».